❗خاص ❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
حين صنعت المقاومة انتصاراً، اختار رئيس الجمهورية والحكومة اليوم أن يستبدلوه بورقة تفاوض لا توقف رصاصة
مقدمة: بين تحريرٍ صنع بالأرض وتخاذلٍ يُساوم عليها
في الخامس والعشرين من أيار عام 2000، خرج آخر جندي إسرائيلي من جنوب لبنان تحت ضغط المقاومة، لا بفضل قرارات دولية ولا بفضل تفاوض مباشر. كان ذلك اليوم إعلاناً عملياً أن معادلة "القوة تفرض الانسحاب" لا تزال سارية في وجه الاحتلال.
اليوم، وبعد خمسة وعشرين عاماً، يعود المشهد ليختبر الذاكرة اللبنانية من جديد. فبينما لا تزال مزارع شبعا وكفرشوبا والجزء الشمالي من الغجر تحت الاحتلال، انتقلت الأولوية الرسمية من استعادة الأرض إلى البحث عن "تسوية" لا تمنع اعتداءً ولا تسترد حقاً، بل تمنح غطاءً لما هو قادم.
أولاً: دور المقاومة... حين كانت المعادلة واضحة
لم يكن انسحاب إسرائيل في 2000 هدية سياسية، ولا ثمرة مفاوضات عقيمة في فنادق الخارج. كان نتيجة تراكم عمليات عسكرية نوعية، وتضحيات قدمها مقاتلون من مختلف المناطق، وكلفة يومية جعلت بقاء الاحتلال في الجنوب مستحيلاً عسكرياً ومعنوياً.
المقاومة لم تحر الأرض فقط، بل حررت القرار اللبناني من وهم العجز. أثبتت أن لبنان قادر على فرض معادلة ردع، وأن دماء أبنائه ليست أرخص من حدود جيرانه. يومها لم يكن هناك حديث عن "تسويات أمنية" ولا عن "ترسيم برعاية أجنبية" مقابل سكوت عن الاعتداءات. كان هناك مبدأ واحد: الأرض لا تُستعاد إلا بالمقاومة.
ثانياً: التخاذل الرسمي اليوم... من التحرير إلى التوقيع
المفارقة أن رئاسة الجمهورية والحكومة اللتين احتفلتا لسنوات بـ"عيد المقاومة والتحرير"، أصبحتا اليوم تخوضان معركة سياسية من نوع آخر: معركة تسويق أي هدنة، ولو لأسبوع، على أنها "إنجاز تفاوض مباشر مع إسرائيل".
العمل جارٍ على إطالة أمد النار لسبعة أيام إضافية، لا لوقف العدوان، بل ليُقال إن التفاوض المباشر أثمر، وإن لا دور للمسار الإيراني-الأميركي ولا لأي معادلة ردع ميدانية. المطلوب صورة إعلامية تُعرض على اللبنانيين كدليل على أن "الدولة وحدها تتفاوض وتجلب الحلول".
هذا المنطق يتجاهل حقيقة بسيطة: أي هدنة لا تُبنى على ميزان قوة، تتحول إلى غطاء زمني لإعادة بناء القدرة الإسرائيلية على الاعتداء من جديد، وبكلفة أقل.
ثالثاً: وهم الاتفاق الذي لا يخدم لبنان
ما يُعرض على لبنان اليوم ليس اتفاقاً يوقف العدوان، بل تفاهماً يضبط قواعد الاشتباك لصالح العدو. اتفاق لا يعيد شبراً من الأرض المحتلة، ولا يلزم إسرائيل بوقف القصف الجوي والبري، بل يطلب من لبنان ضبط جبهته مقابل وعود غامضة بوقف التصعيد "إذا التزم الطرف الآخر".
أي اتفاق اليوم لا يتضمن:
1. انسحاباً كاملاً من مزارع شبعا وكفرشوبا والغجر،
2. وقفاً فعلياً للخروقات الجوية والبحرية،
3. آلية ردع حقيقية تمنع تكرار 2006 أو 2024،
سيكون مجرد ورقة تُعرض في الإعلام كإنجاز دبلوماسي، بينما تبقى البلدات الحدودية تحت النار، ويبقى لبنان أسير سياسة "الاحتواء" التي تخدم العدو قبل أن تخدمه.
خاتمة: التحرير لم يُصنع بالتوقيع ولن يُحفظ به
25 أيار ليس ذكرى بروتوكولية تُستحضر بالكلمات، بل اختبار صدق. فإما أن نبني على درسه ونحافظ على معادلة الردع التي أعادت للبنان هيبته، أو أن نستبدلها بورقة تفاوض تمنح العدو ما عجز عن أخذه بالحرب.
التاريخ لا يرحم من يفرّط بدماء من حرروا الأرض. والمقاومة التي حررت في 2000، هي نفسها التي تذكرنا اليوم أن لبنان لا يُحفظ بالمفاوضات وحدها، بل بميزان قوة يمنع العدو من التفكير بالاعتداء أصلاً.
فليحتفل من شاء بالتسويات. أما نحن، فسنحتفل بمن دفع دمه ليرفع علم لبنان على حدوده.