طلال نحلة
الجمعة 22 أيار/مايو 2026 (اليوم 84 للحرب)
لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتخبطة حول المفاوضات سوى قنبلة دخانية. إعلانه المفاجئ عن عدم حضور حفل زفاف ابنه "للبقاء في البيت الأبيض"، ليس التزاماً أبوياً أو وطنياً بريئاً، بل هو استنساخ حرفي لخديعة نتنياهو الشهيرة في حرب الماضية. هذه الإشارة الرمزية، مقترنة باستقالة (أو إقالة) مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، وتحول مطار "بن غوريون" الإسرائيلي إلى أكبر قاعدة أمريكية عائمة للوقود في العالم، تُطلق صافرات الإنذار القصوى.
نحن لسنا أمام وساطة باكستانية لإنهاء الحرب، بل أمام غطاء دبلوماسي ميت لشرعنة الضربة العسكرية الأضخم والأكثر دموية. في المقابل، انتقل المحور (من إيران إلى لبنان) من مرحلة الاستعداد إلى "الهجوم الوقائي التكتيكي"، محولاً ثكنات الاحتلال في الجليل إلى محارق للمحلقات، ومُحكماً قبضته على هرمز.
إليكم التفكيك المرجعي لأخطر أيام هذه الحرب:
أولاً: "خديعة الزفاف" وسقوط أقنعة الدبلوماسية
البيئة السياسية في واشنطن وتل أبيب تشهد تحضيرات كلاسيكية لـ "ساعة الصفر":
1. تكرار سيناريو الخداع: غياب ترامب عن زفاف ابنه هو "كلمة السر" (Code Word). تماماً كما فعل نتنياهو سابقاً لتنويم المحور مغناطيسياً، ترامب يُوحي بأزمة طوارئ تُبرر بقاءه في غرفة العمليات. هذا يعني أن قرار استئناف القصف قد اتُخذ وسيدخل حيز التنفيذ فوراً.
2. رغبة الكابينت الإسرائيلي: تسريب "القناة 13" بأن نتنياهو والمنظومة الأمنية يرغبون بـ "عودة الحرب لعدة أيام لإضعاف إيران واستهداف منشآت الطاقة"، يؤكد أن إسرائيل تبتز ترامب لدفع أمريكا في مقدمة الجبهة. تل أبيب لا تُريد إنهاء الحرب ومسودة الاتفاق (التي لا تتضمن إخراج اليورانيوم) تُمثل هزيمة وجودية لها.
3. تطهير الاستخبارات (استقالة غابارد): استقالة تولسي غابارد المفاجئة (بذريعة رعاية زوجها) في هذا التوقيت الحرج، تُثير الريبة. غابارد، بخلفيتها العسكرية ومعارضتها التاريخية للحروب المفتوحة، قد تكون رفضت التوقيع على تقييمات استخباراتية تُبرر الضربة الجديدة، أو حذرت من كارثة ارتدادية. غيابها يُخلي الساحة لـ "الصقور" (روبيو، فانس) لدفع ترامب نحو الانتحار العسكري.
ثانياً: القاعدة العسكرية "بن غوريون".. وتكديس الوقود للضربة الكبرى
صور الأقمار الصناعية فضحت النوايا العملياتية الأمريكية:
1. أسطول الرضاعة الجوية: وجود أكثر من 52 طائرة تزويد بالوقود أمريكية متكدسة في مطار بن غوريون، مع محادثات لبقائها حتى 2027، يُحول المطار المدني الأول لإسرائيل إلى المنصة اللوجستية المركزية للحرب. هذه الطائرات لا تحمي إسرائيل، بل هي مُخصصة حصراً لدعم وتمديد مدى القاذفات والمقاتلات التي ستضرب العمق الإيراني.
2. الهدف المشروع: تحذير خبراء القانون الدولي (مثل ماركو ميلانوفيتش) من أن هذا التحويل يجعل "بن غوريون" هدفاً عسكرياً مشروعاً، يُعطي المحور (وخاصة صواريخ إيران الثقيلة وحزب الله) المبرر القانوني والعسكري لمسح المطار من الوجود في أولى ساعات الرد.
ثالثاً: عقدة اليورانيوم والابتزاز الأمريكي في لبنان
المفاوضات الباكستانية وصلت إلى الحائط المسدود (Deadlock):
1. اللاءات الإيرانية المزدوجة: التأكيد الإيراني (عبر الخارجية ولجنة الأمن القومي) على أن: "لا خروج لليورانيوم"، و"لا تنازل عن سيادة هرمز"، يُسقط شروط واشنطن بالضربة القاضية. إيران ترفض الخوض في تفاصيل النووي قبل إيقاف الحرب، بينما تشترط واشنطن تسليم اليورانيوم قبل أي اتفاق. هذا تناقض لا يُحلّ إلا بالنار.
2. العقوبات كـ "سلاح العاجز": فرض واشنطن عقوبات على 9 شخصيات (بينهم نواب لبنانيون وسفير إيراني) هو عقاب سياسي لرفض لبنان القبول بخطة "إعلان النوايا" وفخ البنتاغون الأمني. طهران قرأت هذه الخطوة جيداً، واعتبرتها دليلاً قاطعاً على التواطؤ الأمريكي لتقويض سيادة لبنان وإطالة أمد الإبادة.
رابعاً: المقاومة في لبنان.. "أبابيل" تحرق ثكنات الاحتلال
رداً على التعنت الدبلوماسي وتوسع الغارات الإسرائيلية (ياطر، شوكين، حانويه، برعشيت)، انتقلت المقاومة اللبنانية إلى مستوى "التدمير الجراحي" لجيش الاحتلال:
1. شلل الشمال الإسرائيلي: 16 بياناً لحزب الله توجت بسلسلة اختراقات نوعية بمسيرات "أبابيل" الانقضاضية. استهداف ثكنة "برانيت" مرتين (ضرب تجمع جنود ثم منصة قبة حديدية)، واستهداف مسكاف عام، ومرتفعات راميم، أدى إلى سقوط عشرات الإصابات الإسرائيلية (بينهم جندي بإصابة بليغة)، وإجلاء بالطيران المروحي.
2. عجز الرصد والتخبط الإسرائيلي: دوي صفارات الإنذار المتواصل (في زرعيت، مسكاف عام) والاعتراف الإسرائيلي بصعوبة كشف مسيرات حزب الله، يؤكد أن إسرائيل فقدت السيادة التكتيكية في سمائها. العمليات تؤكد تصريح رئيس كتلة الوفاء للمقاومة: "نحن أمام حرب تدميرية تهدف لكسر الإرادة.. ولن نتراجع".
الخلاصة وتحديد "ساعة الصفر":
تغريدة "الزفاف" الترامبية هي ناقوس الخطر النهائي. المفاوضات عبر الوسيط الباكستاني كانت مجرد عملية "تنويم مغناطيسي" لامتصاص الرد الإيراني وإخفاء عملية التعبئة اللوجستية الأمريكية.
الإنذار الاستراتيجي: واشنطن وتل أبيب أتمتا استعداداتهما. وجود 52 طائرة وقود في بن غوريون، والميزانية العسكرية الجديدة الضخمة لترامب، وتصريحات روبيو، تؤكد أن حملة جوية وصاروخية مكثفة ستُشن ضد إيران (وربما تتزامن مع تصعيد عنيف جداً وتدميري في لبنان) في غضون الساعات الـ 48 إلى 72 القادمة.
وإذا نفذت إسرائيل خطتها باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية (كما سربت القناة 13)، فإن الرد الذي توعد به أئمة طهران وقادة الحرس سيفُعّل: مضيق هرمز وباب المندب سيُغلقان بالنار، والكابلات البحرية ستتعطل، والقواعد والبنى التحتية للطاقة في المنطقة (بما فيها بن غوريون والقواعد التي سهلت الهجوم) ستُمطر بمئات الصواريخ يومياً. أمريكا وإسرائيل تلعبان بـ "الروليت الروسية"، والنتيجة ستكون انهيار الاقتصاد العالمي (وسعر بنزين غير مسبوق في أمريكا) وتغيير جذري لخريطة القوة في الشرق الأوسط.