
حين تشعر الإمبراطوريات القديمة بالخوف من صعود منافس جديد، تصبح الحرب احتمالاً قائماً، حتى لو لم يكن أحد يريدها بشكل مباشر.
ولفهم الربط بين ما جرى بين كلّ أثينا واسبارطة في الحروب البلوبونيزية، وبين ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة والصين، لا بدّ من التذكير بخلاصة دراسات ثيوسيديدس بأنّ «العلاقات بين الدول هي علاقات نزاع في الأصل، وفي ظل انعدام التكافؤ في القوة بين الدول؛ فإن المصلحة تقتضي تكيف الدول مع الواقع الخارجي لضمان حفظ القوة وبقاء الدولة؛ أو تواجه الدمار والاندثار مثل اندثار الإمبراطوريات والدول عبر التاريخ». والحروب البلوبونيزية درات بين ائتلافين كبيرين للقوى: العصبة البلوبونيزية تحت قيادة إسبارطة، وعصبة ديلوس (نسبة إلى جزيرة ديلوس التي تم اختيارها لتكون بها خزانة الحلف الأثيني المالية) بقيادة أثينا.
العلاقة بين إيران والصين ليست علاقة عابرة، بل شراكة استراتيجية ترتبط بالطاقة
اليوم، تبدو الصين في موقع «أثينا الصاعدة»، بينما تحاول الولايات المتحدة التمسّك بموقع «إسبارطة» التي ترفض خسارة العالم. لكنّ الصراع الحالي لم يعد مجرّد منافسة اقتصادية أو عسكرية، بل تحوّل إلى مواجهة شاملة على الطاقة، والممرات البحرية، والعملات العالمية، وشكل النظام الدولي نفسه.
ومن هنا يمكن فهم الترابط بين ما يجري في أوكرانيا، وما يجري في الشرق الأوسط، وما يحدث في آسيا والمحيط الهادئ. فالحرب الروسية ـ الأوكرانية لم تكن مجرّد نزاع حدودي، بل ساحة مواجهة كبرى بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وبين المعسكر الشرقي الصاعد بقيادة روسيا والصين.
ولهذا السبب تحديداً، ضغطت واشنطن مراراً على بكين، وطالب الرئيس الأميركي القيادة الصينية بعدم تقديم دعم عسكري مباشر لموسكو في حربها على أوكرانيا، لأنّ الأميركيين يدركون أنّ أيّ تحالف عسكري فعلي بين روسيا والصين سيغيّر ميزان القوى العالمي بشكل جذري. فالولايات المتحدة تعرف أنّ الصين ليست مجرّد داعم اقتصادي لروسيا، بل الرئة التي تمنع خنق موسكو بالكامل بالعقوبات الغربية.
وفي المقابل، ترى بكين أنّ سقوط روسيا أو إضعافها بشكل كامل سيجعلها الهدف التالي للحصار الأميركي.
ومن هنا بدأت ملامح محور دولي جديد بالتشكّل بين كلّ من روسيا التي تملك الطاقة والسلاح، والصين صاحبة الاقتصاد القوي والتكنولوجيا، وإيران المتحكمة بالموقع الجغرافي والممرات الاستراتيجية والطاقة. وهذا ما يجعل الشرق الأوسط جزءاً أساسياً من الحرب الكبرى على مستقبل العالم.
فالعلاقة بين إيران والصين ليست علاقة عابرة، بل شراكة استراتيجية ترتبط بالطاقة، والتجارة، والممرات البحرية، ومشروع «الحزام والطريق»، ولهذا، فإنّ أيّ حرب أميركية - إسرائيلية واسعة على إيران لن تكون مجرّد حرب إقليمية، بل مواجهة تضرب المصالح الصينية مباشرة. خصوصاً أنّ الصين تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وترى في استقرار إيران ضمانة أساسية لأمنها الاقتصادي.
ومن هنا يصبح مضيق هرمز أخطر نقطة اختناق في العالم. فهذا المضيق يمرّ عبره 20% من صادرات النفط والغاز العالمية، وأنّ تعطيل للملاحة يقود إلى زلزال اقتصادي عالمي بدأت تباشيره بالظهور من الارتفاع الهائل بأسعار النفط، إلى انهيار سلاسل الإمداد، فالتضخّم العالمي والاضطرابات المالية التي تضرب الاقتصادات الغربية قبل غيرها.
لكنّ المتضرّر الأكبر قد يكون هذه المرّة أوروبا. فبعد الحرب الأوكرانية وخسارة جزء كبير من الغاز الروسي، أصبحت أوروبا أكثر حاجة إلى نفط وغاز الخليج لتعويض أزمة الطاقة الخانقة التي تعيشها. وأيّ انفجار كبير في الخليج أو استمرار إغلاق مضيق هرمز سيضع أوروبا أمام كارثة استراتيجية تتمثل في توقف مصانعها عن الإنتاج، وارتفاع أسعار طاقة لدرجة تصبح غير محتملة، وركود اقتصادي واسع، وانفجارات اجتماعية وسياسية داخل الدول الأوروبية نفسها.
وهنا تبدأ أخطر التداعيات الجيوسياسية بالظهور. فإذا شعرت أوروبا أنّ الولايات المتحدة تقودها نحو حروب تستنزف اقتصادها وأمنها الطاقوي، فقد تبدأ الخلافات داخل المعسكر الغربي بالتوسّع بشكل غير مسبوق. ولهذا، يتحدّث بعض المراقبين عن أنّ استمرار الأزمات العالمية قد يقود مستقبلاً إلى اهتزاز داخل حلف شمال الأطلسي نفسه، وربّما إلى بروز تحالفات دولية جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والطاقة، لا على الاصطفافات التقليدية التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز الحرب الأخطر، وهي الحرب على الدولار الأميركي. فالولايات المتحدة لا تحكم العالم بالقوة العسكرية فقط، بل عبر سيطرة الدولار الأميركي على الاقتصاد العالمي. لكنّ الصين بدأت تدفع تدريجياً نحو استخدام عملتها أي اليوان في التجارة الدولية، خصوصاً في شراء النفط والطاقة من الخليج وروسيا وإيران. وهذا ما تعتبره واشنطن تهديداً وجودياً، لأنّ قوة الدولار تمنحها القدرة على فرض العقوبات، تمويل ديونها، التحكم بالنظام المالي العالمي، واستخدام الاقتصاد كسلاح سياسي ضد خصومها.
مضيق هرمز أخطر نقطة اختناق في العالم. فهذا المضيق يمرّ عبره 20% من صادرات النفط والغاز العالمية
أمّا إذا توسّع استخدام اليوان عالمياً، فإنّ ذلك قد يعني بداية تراجع الهيمنة المالية الأميركية، وما يرافقها من تغييرات هائلة في موازين القوى الاقتصادية. ولهذا، فإنّ المعركة لم تعد فقط على الأرض أو النفط أو الحدود، بل على من يملك القدرة على قيادة الاقتصاد العالمي نفسه. إذاً العالم اليوم يعيش مرحلة انتقال خطيرة: حرب في أوكرانيا وغرب آسيا، توتّر في تايوان، سباق على الطاقة، صراع على العملات، وإعادة تشكيل للتحالفات الدولية.
كلّ ذلك يجعل عبارة «فخّ ثوسيديدس» أقرب إلى وصف دقيق للحظة الراهنة، فالإمبراطورية تخشى خسارة العالم، وقوة صاعدة تريد إعادة كتابة قواعده. وحين تتداخل الحروب العسكرية مع الطاقة والاقتصاد والعملات والتحالفات، يصبح العالم كلّه واقفاً على حافة إعادة تشكيل تاريخية قد تنتج نظاماً دولياً جديداً… أو تقود إلى انفجار عالمي غير مسبوق.