الاخبار: زكية الديراني الأربعاء 6 أيار 2026
يأتي إحياء ذكرى شهداء الصحافة هذا العام على وقع تصعيد دموي يستهدف الإعلاميين في لبنان وغزة. 27 صحافياً سقطوا منذ أكتوبر 2023، فيما يستمر الصمت الدولي. أمام هذا الواقع، يطرح نقيب المحررين جوزيف القصيفي أسئلة المحاسبة، وحدود دور النقابة، في مواجهة جرائم موصوفة بلا رادع
يحتفل العالم اليوم بذكرى شهداء الصحافة، هذا التاريخ الذي يميّز مهنة «البحث عن المتاعب» عن سواها. لكن الذكرى هذا العام تأتي مثقلة بجرائم العدو الذي يشنّ حربه على لبنان، ويحاول إطفاء كاميرات الصحافيين في جنوبه. منذ بداية حرب إسناد غزة في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، استُشهد نحو 27 صحافياً لبنانياً، وكان آخرهم الزميلة آمال خليل (1984-2026). يحدث ذلك وسط صمت عالمي إزاء دماء الزملاء، ما يضع المهنة في مرمى عدو يتعمّد استهدافهم في جرائم حرب مكتملة الأركان.
استهداف الصحافيين: جرائم موصوفة بلا رادع
في هذا السياق، يبدأ الحديث مع نقيب المحررين جوزيف القصيفي من استشهاد الزميلة آمال خليل. يستعيد الاتصال الأول والأخير بينهما قائلاً «في عام 2024، وبعد تلقي آمال تهديدات من العدو الإسرائيلي، اتصلت بي وأطلعتني على مضمونها. تفاعلت فوراً، واتصلت بوزير الإعلام آنذاك زياد مكاري وسائر المسؤولين، للتأكيد على خطورة تهديد صحافية تمارس عملها المهني». ويضيف «أبلغتُ آمال أن النقابة تقدّم لها الدعم الكامل لحمايتها وتأمين استمرار عملها. لكن يد القتل كانت أسرع، ونفّذت تهديدها». ويتابع بأسى: «كنت أحب الجلوس مع آمال، والاستماع إلى مخاوفها وطموحاتها. كان تواصلنا ودياً، وقد شكرتني لاحقاً على رفع صوتها».
النقابة بين الواجب والإمكانات المحدودة
يتحدث القصيفي مطولاً عن واقع الصحافة في ظل الحرب على لبنان. يختصر المشهد بالقول إن النقابة «تفعل أفضل الممكن ضمن ظروف شديدة القسوة». يقرّ بأن الأداء لا يرقى إلى الطموح، لكنه يؤكد على بذل أقصى الجهود. ويشير إلى أنّ الإعلام، بكل وسائطه، يعيش انقساماً سياسياً حاداً انعكس سلباً على دور الصحافيين وحركتهم الميدانية.
خرق القوانين الدولية واستباحة الدم الإعلامي
يوضح القصيفي أنّ النقابة واجهت هذا الواقع بالتشديد على رفض الاعتداءات الإسرائيلية على الإعلاميين والمصورين. ويلفت إلى أن هذه الانتهاكات تشكّل خرقاً واضحاً للاتفاقيات والمواثيق الدولية، من فيينا إلى توصيات اليونسكو. ويؤكد على أن كل هذه المواثيق تعتبر الصحافيين مدنيين في زمن الحرب، لكن «إسرائيل» ترفض الالتزام بها، كما فعلت في غزة حيث قتلت أكثر من 270 صحافياً، وصولاً إلى 27 شهيداً في لبنان منذ بداية الحرب.
أرقام صادمة وذاكرة حيّة
يستعرض القصيفي أسماء شهداء الصحافة في لبنان، من مراسل «المنار» علي شعيب، إلى مراسلة «الميادين» فاطمة فتوني، وصولاً إلى آمال خليل. يتوقف عند سيرة كل منهم، مؤكداً على أنّ الرقم صادم ولا يمكن الاستهانة به. يحمّل العدو الإسرائيلي مسؤولية هذه الجرائم، مشدداً على أنه يتعمّد استهداف الصحافيين، حتى عندما يكونون مجهزين بوضوح بقبعات وسترات تحمل شارة الصحافة.
يستعيد الاتصال الأول والأخير مع الشهيدة آمال خليل
في المقابل، يشير إلى أنّ نقابة المحررين لا تصمت إزاء دماء الزملاء، بل تنظم وقفات احتجاجية أمام «الإسكوا»، وتقدّم شكاوى متكررة ضد جرائم العدو وستواصل رفع صوتها ضد استهداف الصحافيين. يقرّ بأن النتائج قد تكون محدودة حالياً، لكن الإصرار على هذه الخطوات قد يفضي إلى محاسبة لاحقة، مطالباً بمحاكمة قتلة الصحافيين.
على ضفة موازية، يستعيد القصيفي ما جرى في حرب الإبادة في غزة، حيث قُتل أكثر من 270 صحافياً ومصوراً. يشير إلى أن الدعاوى المقدّمة ضد «إسرائيل» في المحاكم الجنائية الدولية تسير ببطء، ما يستدعي التفكير في آليات جديدة لمنع الإفلات من العقاب، كإنشاء محكمة خاصة بجرائم استهداف الصحافيين.
يتحدث النقيب بجرأة عن واقع نقابة المحررين، موضحاً أنها تعمل بإمكانات مادية محدودة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة أفقدت الاشتراكات قيمتها. يدعو الصحافيين إلى الانتساب للنقابة والالتفاف حولها لضخ دماء جديدة في صفوفها.
بعيداً عن الحرب، يلفت القصيفي إلى أنّ أوضاع الصحافيين لم تكن يوماً وردية في السنوات الأخيرة. تعيش الصحافة مرحلة قاسية مع تراجع الموارد، وانتشار فوضى وسائل التواصل الاجتماعي. كما يحذر من خطابات التحريض والفتن التي تبثها بعض وسائل الإعلام، معتبراً أنها تعكس واقعاً انقسامياً خطيراً يمر به لبنان، وتشكل تحدياً كبيراً لإعادة تصويب بوصلة الإعلام.