في مشهد يكشف حجم القلق داخل كيان الاحتلال، لم يعد الحديث فقط عن صواريخ تُطلق من جنوب لبنان أو مسيرات تعبر الأجواء نحو مواقع عسكرية إسرائيلية، بل أصبح الخوف نفسه قرارًا سياسيًا معلنًا يصدر من أعلى رأس السلطة في تل أبيب.
فبينما تتحدث التقارير عن تصعيد جديد على الجبهة الشمالية، وهجوم صاروخي جديد لحزب الله على جيش الاحتلال في منطقة تل النحاس، جاء قرار بنيامين نتنياهو بتقليص احتفال جماهيري كبير في ميرون ليؤكد أن الجبهة الشمالية لم تعد مجرد جبهة توتر، بل أصبحت جبهة استنزاف ورعب وحسابات مفتوحة.
نتنياهو، الذي اعتاد الظهور بخطاب القوة والتهديد، وجد نفسه هذه المرة أمام واقع مختلف. واقع يقول إن أي تجمع كبير قرب الحدود قد يتحول في لحظة إلى كارثة بشرية إذا قرر حزب الله تنفيذ مفاجأة جديدة. ولذلك جاءت التعليمات الإسرائيلية بتقليص إحياء ذكرى الحاخام شمعون يوحاي في بلدة ميرون، وتحويله من احتفال واسع معتاد إلى مناسبة رمزية محدودة، في اعتراف واضح بأن الشمال الإسرائيلي لم يعد آمنًا كما كان يُروَّج له.
تل النحاس تحت النار.. ورسالة حزب الله تصل إلى العمق النفسي قبل العسكري
الهجوم الصاروخي الجديد على جيش الاحتلال في تل النحاس لا يمكن قراءته كعملية عابرة أو ضربة محدودة في جبهة مشتعلة، بل هو رسالة ميدانية وسياسية في توقيت بالغ الحساسية. فحزب الله يريد أن يقول إن معادلة الردع ما زالت قائمة، وإن أي حديث إسرائيلي عن السيطرة أو استعادة الهدوء في الشمال لا يتجاوز حدود الدعاية الإعلامية.
الأهم من الصاروخ نفسه هو أثره. فالصاروخ الذي يسقط على موقع عسكري قد يحقق إصابة مادية، لكن الصاروخ الذي يدفع نتنياهو إلى إلغاء أو تقليص احتفال جماهيري كامل يحقق إصابة أعمق بكثير. هنا لم تعد الضربة في دبابة أو موقع أو قوة عسكرية فقط، بل في صورة الدولة التي تخاف من حشد مواطنيها، وفي قيادة سياسية أصبحت تحسب عدد المشاركين في احتفال ديني كما تحسب احتمالات سقوط الصواريخ والمسيرات.
ميرون تتحول إلى عنوان الخوف الإسرائيلي
قرار تقليص احتفالات ميرون لم يأتِ من فراغ. التقارير العبرية، وفق ما نقلته المصادر، تتحدث عن تقديرات أمنية مرتفعة الخطورة بسبب قرب موقع الاحتفال من الحدود اللبنانية، وهشاشة وقف إطلاق النار، واستمرار إطلاق الصواريخ بين حين وآخر على مناطق الشمال. بمعنى أوضح، الاحتلال يخشى أن يتحول أي تجمع كبير إلى هدف سهل إذا انفجرت الجبهة في لحظة.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فالمشكلة ليست فقط في احتمال وقوع قصف، بل في صعوبة إجلاء آلاف المشاركين بسرعة إذا حدث هجوم مفاجئ. أي أن الأجهزة الإسرائيلية لا تخاف فقط من الصاروخ، بل تخاف من الفوضى التي قد تأتي بعد الصاروخ، ومن المشاهد التي قد تكسر ما تبقى من صورة “الدولة القادرة على حماية مواطنيها”.
الجليل الأعلى تحت القيود.. اعتراف رسمي بأن الشمال لم يعد طبيعيًا
قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية أقرت قيودًا جديدة على التجمعات في عدد من بلدات الجليل الأعلى، بينها ميرون وبار يوشاي وأور هغنوز وصفصوفه، بعد تقييم أمني للوضع الميداني في أعقاب تصعيد الهجمات الصاروخية وإطلاق الطائرات المسيرة من جنوب لبنان. هذه ليست مجرد إجراءات احترازية، بل إعلان غير مباشر بأن الشمال يعيش حالة طوارئ مستمرة.
فالاحتلال الذي حاول طوال السنوات الماضية تقديم الجليل الأعلى كمنطقة آمنة ومستقرة، يجد نفسه اليوم مضطرًا لفرض قيود على التجمعات، وتحديد أعداد المشاركين، وتغيير شكل المناسبات العامة خوفًا من حزب الله. وهذا بحد ذاته تطور خطير في ميزان الردع، لأن المعركة لم تعد محصورة بين جيوش ومواقع عسكرية، بل امتدت إلى الحياة اليومية، والطقوس الدينية، والمناسبات الجماهيرية، وحركة السكان.
رسالة حزب الله: الشمال ليس ساحة مفتوحة للاحتلال
ما يجري في تل النحاس وميرون والجليل الأعلى يؤكد أن حزب الله يحاول تثبيت معادلة واضحة: أي تصعيد إسرائيلي له ثمن، وأي محاولة لفرض واقع جديد في الجنوب اللبناني أو على الحدود ستقابلها ردود تجعل الشمال الإسرائيلي يدفع الكلفة. ومن هنا تأتي أهمية الهجمات المتكررة، ليس فقط باعتبارها ضربات ميدانية، بل باعتبارها جزءًا من حرب أعصاب طويلة.