آسيا
محمد عبد الكريم أحمد
الأربعاء 29 نيسان 2026
تسرّع إسرائيل إحكام سيطرتها على ميناء بربرة بالتنسيق مع الإمارات وإثيوبيا (أ ف ب)
تسارعت التطورات جنوبي البحر الأحمر بالتزامن مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، وتعثر المفاوضات الأميركية - الإيرانية. وكانت قد تصاعدت التحركات الأميركية في دول القرن الأفريقي المقابِلة لليمن تخوّفاً من احتمال إقفال «أنصار الله» مضيق باب المندب، في وقت واصلت فيه إسرائيل وعدد من حلفائها - على رأسهم إثيوبيا والإمارات - خطواتهم الهادفة إلى زعزعة وحدة الصومال. وفي هذا السياق، أعلنت إسرائيل، الأحد الماضي، تعيين أول سفير لها لدى «أرض الصومال» - الذي يطالب بالانفصال عن جمهورية الصومال الفيدرالية -، في خطوة تأتي بعد نحو أربعة أشهر من اعترافها الرسمي - كأول «دولة» تقوم بذلك - بالإقليم الانفصالي، منذ إعلان الأخير «الاستقلال» من جانب واحد عام 1991.
ورداً على الاعتراف الإسرائيلي وتعيين السفير، أفادت «وكالة الصحافة الأفريقية»، أخيراً، بأن الحكومة الفيدرالية في مقديشو أصدرت قراراً بحظر مرور السفن الإسرائيلية عبر مضيق باب المندب. وأثار هذا الإعلان مخاوف أطراف دولية وإقليمية معنيّة بأمن الملاحة في البحر الأحمر؛ إذ اعتُبر مؤشراً على احتمال اندلاع مواجهة إقليمية في تلك المنطقة، قد تتقاطع مع / أو تنفصل عن مسار التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
الصومال يعاكس النفوذ الإسرائيلي
مع ما مثّلته خطوة تعيين سفير إسرائيلي في «صوماليلاند» من استخفاف بوحدة الدولة الصومالية، يشير اختيار مايكل لوتم، الذي ظلّ ثلاث سنوات حتى آب 2025 مبعوثاً للكيان الإسرائيلي في خمس دول أفريقية - هي كينيا وأوغندا وتنزانيا ومالاوي وسيشل -، إلى خطورة الخطوة التي تأتي تتويجاً لسياسات إسرائيلية حثيثة في شرق أفريقيا، هادفة إلى تحصين نفوذ الكيان هناك. وفي هذا السياق، أفادت تقارير متفرّقة بـ«وصول عشرات العربات المسلحة» إلى ميناء بربرة الواقع على الساحل الشمالي للصومال (في منطقة «أرض الصومال») على خليج عدن الذي يتصل بالبحر عبر مضيق باب المندب، و«نقلها إلى مدينة أصوصا الإثيوبية، ومنها إلى ميليشيات «الدعم السريع» في السودان». ورغم عدم كشف تلك التقارير هوية الجهة المرسِلة للعربات إلى الميناء، يُرجَّح أن تكون الإمارات هي التي قامت بذلك بتنسيق إسرائيلي مألوف.
وفي تطور متزامن، أعلنت شركة «مولر-ميرسك» العملاقة للنقل تعليق عملياتها المستقبلية في الميناء نفسه، وهو ما قد يؤثر، بحسب جهات لوجستية نافذة في الإقليم، على «الممرّ اللوجستي» الذي يربط الميناء بإثيوبيا، والذي كانت تعتمد عليه الأخيرة بشكل متزايد لـ«تنويع الوصول إلى البحر بعيداً عن جيبوتي».
ثمة تنسيق مهم بين السعودية وتركيا ومصر من أجل دعم موقف الصومال في مواجهة التهديدات الإسرائيلية
وتؤشر هذه التطورات إلى تصاعد الطابع العسكري في «بربرة»، وتسريع إسرائيل والإمارات وإثيوبيا خطوات إحكام سيطرتهم المنسّقة على الميناء واحتكار العمليات فيه، بالإضافة إلى توسيع نطاق عمليات «القاعدة العسكرية» الإسرائيلية في «أرض الصومال» لتشمل كامل مساحة الميناء في المستقبل القريب. وتأتي هذه التحركات بعد تقارير نشرتها شبكة «بلومبرغ»، الشهر الماضي، تحدّثت عن دراسة إسرائيل إنشاء قاعدة عسكرية في «أرض الصومال» لمراقبة تحركات «أنصار الله» في اليمن واستهدافهم، مؤكدةً جدية مساعي إسرائيل لخلخلة ترتيبات الأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ولعلّ مما يؤشر على أن خطوة مقديشو المباغتة بمنع مرور أي سفن إسرائيلية من «باب المندب» - لم تؤكد الحكومة الصومالية سريانها رسمياً بعد -، تأتي على خلفية تبعية السفن الناقلة للعربات المشار إليها أعلاه، لطرف ثالث يملك وصولاً سهلاً إلى ميناء بربرة - أي الإمارات -، هو تحذير سفير الصومال لدى إثيوبيا، عبد الله محمد ورفا، في 22 نيسان الجاري، من أن «أي تدخل في سيادة بلاده وسلامة أراضيها ستكون له عواقب وخيمة، بما في ذلك قيود محتملة على الوصول إلى مضيق باب المندب»، في إشارة مباشرة إلى إسرائيل وضمنية إلى الإمارات.
غير أن تنفيذ مثل هذه الخطوة يبقى مرتبطاً بقدرات الجيش الصومالي ومستوى الدعم الذي قد يتلقاه من شركائه، وفي مقدّمتهم تركيا والسعودية ومصر، سواء على المستوى العسكري أو اللوجستي. وكانت شركة «UKMTO» البريطانية المختصّة بالملاحة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر أفادت بتعرض سفينة شحن، في 23 نيسان، لحادث اقتراب قاربين مسلّحين صغيرين قبالة سواحل بونتلاند منها، ثمّ تبادل الطرفَين إطلاق النار من دون وقوع إصابات. وفيما أظهر هذا الحادث محدودية قدرات البحرية الصومالية، نبّه محللون متخصصون إلى احتمالات دعم «أنصار الله» لحكومة مقديشو في تنفيذ قرارها، على نحو قد يسهم في «إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية ودفع الصومال نحو تنسيق أوثق مع صنعاء بخصوص السيطرة على مضيق باب المندب».
الصومال والاستقطابات الإقليمية: لا حلول وسط!
مع تصاعد حدة الاستقطابات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، والتي تمثّل الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أحد أهمّ محركاتها راهناً، يبدو واضحاً الميل الصومالي إلى الاستفادة من التقاطع التركي - السعودي - المصري في بعض ملفات الإقليم. ويرجع هذا التقاطع إلى تطابق غير مسبوق ربما في التهديدات التي تحيق بهذه الدول ومعها الصومال؛ إذ إن إسرائيل وضعت خططاً عملية - يَظهر أنها بدأت منذ فترة في تنفيذها وفق جدول زمني متسارع -، لإقامة ما تصفه بالممرّ الملاحي داخل حوض البحر الأحمر (أو ما يعرف بممر بربرة - إيلات - أشدود)، بحيث يكون ميناء بربرة نقطة مركزية في استقطاب حركة التجارة من شرق أفريقيا وغرب المحيط الهندي إلى البحر المتوسط مروراً بميناءَي إسرائيل.
كذلك، يشي التعاون العسكري والأمني بين إسرائيل والإمارات - والذي يجد مقبولية عالية من قبل إقليم «أرض الصومال» وإثيوبيا وعدد من دول شرق أفريقيا - بمحاولة لإعادة إنتاج الفوضى في إقليم البحر الأحمر، ونسف الجهود التي بذلتها دوله لتحقيق الاستقرار وتفادي تداعيات التدخل الخارجي في شؤون دوله (في الصومال كما في اليمن وجيبوتي والسودان).
في المقابل، ثمة تنسيق مهم، وإن كان في مراحله الأولية، بين السعودية وتركيا ومصر من أجل دعم موقف الصومال في مواجهة التهديدات الإسرائيلية. وفي هذا السياق، التقت تصريحات متزامنة لوزير الخارجية الصومالي، علي محمد عمر، ونظيره المصري، بدر عبد العاطي (17-18 نيسان الجاري)، مفادها أن اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يهدّد شكل الدولة في إقليم البحر الأحمر، وينذر، حسبما يُفهم من السياق، بمزيد من تفتيت الدولة وتآكل سيادتها. وفي الإطار نفسه، قادت مصر والسعودية جهداً دبلوماسياً لإدانة خطوة تعيين السفير الإسرائيلي، وهو ما تجلّت نتيجته في صدور بيان إدانة (18 نيسان)، وقّعته 16 دولة عربية وإسلامية، فيما غاب عنه اسم الإمارات رغم توقيعه من قِبل بقية دول الخليج.
ومن جهتها، تسعى تركيا، التي تملك أكبر قاعدة تدريب عسكرية خارج أراضيها في الصومال، وتتطلّع إلى حماية مصالحها ومكتسباتها في هذا البلد (على الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية)، إلى حشد موقف دولي لإدانة الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» - الذي وصفته الخارجية التركية بـ«غير القانوني» -، وذلك استباقاً للتمدّد الإسرائيلي في جنوب البحر الأحمر، والذي من شأنه تهديد مجمل المصالح التركية هناك.
وفي خطوة عملية دالة على تبعات هذا الاستقطاب، استقبل قادة عسكريون صوماليون في العاصمة مقديشو (26 الجاري)، القائد العسكري التركي في الصومال، كلكان صباح الدين، وذلك في إطار «تعزيز التعاون بين الجانبين، حيث بحث الطرفان سبل توطيد الشراكة والعمل المشترك، خاصة في مجالات التدريب، ورفع كفاءة القوات، وتطوير العمليات الأمنية». وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع تقارير عن قرب بدء عمل شركات تركية في استخراج البترول قبالة سواحل الصومال.
وفي المحصلة، تبدو خطوة مقديشو المحتملة بمنع أيّ سفن إسرائيلية من المرور من مضيق باب المندب - سواء جاءت بشكل منفرد من مقديشو أم بتنسيق مع أطراف إقليمية من مثل «أنصار الله» في اليمن أو حتى بدعم غير مباشر من بعض شركاء الصومال كتركيا ومصر -، بمثابة نذير بحرب إقليمية في البحر الأحمر، لاسيما مع حرص إسرائيل والإمارات وإثيوبيا على انتهاج سياسات خشنة تحت مظلّة أميركية لا تمانع مثل هذا التصعيد مستقبلاً.