هَبّة ضدّ حُكم تجنيد «الحريديم» ائتلاف نتنياهو للقضاء لن تمرّوا! فلسطين يحيى دبوق الثلاثاء 28 نيسان 2026 نتنياهو يرف
هَبّة ضدّ حُكم تجنيد «الحريديم» | ائتلاف نتنياهو للقضاء: لن تمرّوا!
فلسطين
يحيى دبوق
الثلاثاء 28 نيسان 2026
نتنياهو يرفض حكم المحكمة العليا بشأن تجنيد الحريديم (من الويب)
أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، أول من أمس، قراراً وُصف بالاستثنائي، ينصّ على إلغاء أو تعليق مجموعة من الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية الممنوحة للمتهرّبين من الخدمة العسكرية من الشريحة «الحريدية» الرافضة للتجنيد في الجيش. واستتبع الحكمُ ردّاتِ فعل مؤيّدة وأخرى شاجبة، وسط نقاشات حول إمكان أن يؤدّي إلى أزمة سياسية، تودي بحكومة بنيامين نتنياهو، وتدفع إلى انتخابات مبكرة. وتشمل إجراءات المحكمة مراجعة تخفيضات شراء الشقق السكنية، وسحب دعم رسوم الحضانات النهارية للعائلات ودعم برامج ما بعد المدرسة، وإعادة النظر في تخفيضات أجور المواصلات العامة وضريبة الأملاك وغيرها. ويمثّل الحكم، في ظاهره، ضربة قضائية غير بسيطة لائتلاف بنيامين نتنياهو، الذي إن امتثل له فسيطيح بحكومته نظراً إلى أن الأحزاب «الحريدية» ستنسحب منها وتسقطها، وإذا تفاداه فسيكون مُعرّضاً لانتقادات من شريحته الناخبة العلمانية التقليدية التي ترفض تهرّب «الحريديم» من التجنيد. لكنّ قراءة الأحداث بعمق تكشف أن الأمور أبعد ما تكون عن الحسم.
الواقع أن حكم المحكمة العليا ليس الأول، ولن يكون الأخير، بل هو واحد من سلسلة أحكام وتدخّلات وتوصيات ومهل صدرت عن القضاء الإسرائيلي، من دون أيّ نتيجة مؤثّرة على أرض الواقع، وهو ما ينسجم مع منطق أزمة بنيوية مُمتدّة منذ قيام الكيان، عنوانها «تأجيل الاستحقاق» لا حلّه، إذ إن كلّ حكومة إسرائيلية، يميناً أو يساراً، التقت مع قيادة «الحريديم» على صيغة توافقية تسمح بتأجيل التجنيد الشامل، في مقابل الحفاظ على الاستقرار الحكومي والسيطرة على الأجندة التشريعية في «الكنيست». كما أن الحكم الأخير لا يرتقي إلى مستوى الإلزام القضائي المباشر أو العقاب الشخصي، بل يعتمد على آلية الضغط الاقتصادي عبر حرمان الفئات المُستهدفة من امتيازات اجتماعية. والفارق هنا، جوهري بين «دفع ثمن المخالفة» عبر غرامات مالية أو تقييد حريات، وبين «سحب الامتيازات» التي تمنحها الدولة طوعاً ضمن سياسات الرفاه.
توحّد الائتلاف ضدّ حكم «المحكمة العليا» خشية انتخابات مبكرة
مع ذلك، جاءت ردّة الفعل الحكومية على القرار حادّة وموحّدة في رفض ما وصفه الوزراء بتعدّي القضاء على صلاحيات السلطة التنفيذية، وانتهاك مبدأ فصل السلطات. ولم تأتِ الانتقادات من وزراء الأحزاب «الحريدية» الذين يحمون ناخبيهم فقط، بل شملت وزراء من حزبَي «الصهيونية الدينية» التي طالما قادت حملات ضد التهرّب من التجنيد، وصولاً إلى نتنياهو الذي وصف الإجراءات المُقترحة بأنها محاولة من «الدولة العميقة» في الجهاز القانوني لـ«تدمير الدولة».
ويتّضح، من نقاشات الحكومة الأوّلية بعد صدور القرار، عدم وجود نية حقيقية للامتثال الفوري أو الكامل، بل اعتماد استراتيجية التسويف والمماطلة. فالطواقم المهنية في الوزارات سرعان ما أطلقت تحذيرات من «عقبات فنية وقانونية» تُعقِّد التنفيذ، من مثل صعوبة إنشاء واجهات برمجية آمنة لنقل بيانات التجنيد من الجيش إلى الوزارات، ومخاوف خرق الخصوصية، وحاجة بعض الإجراءات (كتعديل قواعد ضريبة الأملاك) إلى وقت. وهذه الحجج، وإن كانت صحيحة جزئياً، إلا أنها تُستخدم لكسب الوقت وتجنّب المواجهة المباشرة قبل حلول الموعد النهائي لتنفيذ الحكم.
وعلى الرغم من حدّة الخطاب وتصاعد التوتر، فإن الأزمة لا تبدو عاملاً مُهدِّداً لبقاء الائتلاف الحاكم، بل قد تعمل على العكس من ذلك تماماً؛ فهي بمثابة عنصر ضغط كفيل بتوحيد مكوّناته مؤقّتاً، علماً أن كلّ حزب من أحزاب الحكومة، سواء «الحريدي» أو القومي الديني أو «الليكود»، يحتاج بشدّة إلى إطالة عمرها حتى انتخابات تشرين الثاني المقبل، نظراً إلى أن الانهيار المبكر يعني مواجهة انتخابية قد تُضعِف مواقع أحزاب الموالاة، خاصة مع استطلاعات الرأي غير المستقرّة. وعلى الرغم من أن جيش الاحتلال يعاني، منذ بدء حروبه الأخيرة في عام 2023، من نقص حادّ ومزمن في القوى البشرية، حيث يقع العبء الأكبر على المواقع القتالية المباشرة التي تفتقر إلى الآلاف من المجنّدين، ما يحوّل العبء إلى شريحة دائمة هي نفسها التي تُستدعى بشكل دائم للخدمة الاحتياطية، إلا أن المعالجة لا تزال قاصرة سياسياً. ودفع ذلك رئيس الأركان، إيال زامير، إلى التحذير صراحة من أن استمرار هذا النقص قد يقود إلى «انهيار داخلي» للجيش، ليس بسبب هزيمة عسكرية خارجية، بل بسبب الإرهاق المتراكم، واستنزاف الاحتياط، وعدم القدرة على تعويض الكادر البشري بوتيرة تكفي للحفاظ على الجاهزية. وفي محاولة لسدّ هذه الفجوة، يضطرّ الجيش إلى الاعتماد على استدعاء نحو 60 ألف احتياطي للخدمة الدائمة بدءاً من عام 2026، وهي خطوة ترفع الأعباء المالية بشكل كبير، وتُضعِف الجاهزية الطويلة الأمد من خلال إبعاد هؤلاء الجنود عن سوق العمل وإرباك حياتهم المدنية، في ما من شأنه أن يخلق توتراً اجتماعياً إضافياً.
وعلى الرغم من النقص والحاجة العملياتية، يبدو أن نقاش تجنيد «الحريديم»، الدائر منذ أكثر من عامَين، يُستخدَم من جانب المؤسسة العسكرية لتحسين تموضعها في موازنة القرار السياسي، والحصول على صلاحيات أوسع، وكسب تعاطف الرأي العام، ولا سيما وسط الخلافات مع القيادة السياسية. وبالتوازي، تستمرّ المسألة في كونها مادة للمزايدات الإعلامية بين المعارضة والموالاة، من دون أن تصل حتى الآن إلى حدّ إحداث تغيير جوهري في بنية الحكومة، ولا إلى درجة عرقلة أيّ تحرك عسكري أو عملياتي. فالجيش الإسرائيلي يتكيّف مع الواقع الديموغرافي والسياسي، في حين تدرك المؤسسة السياسية أن التجنيد الشامل الفوري مستحيل في المدى المنظور من دون أن يتسبّب في انهيار الائتلاف. وفي النتيجة، تَظهر القضية أقرب إلى لعبة سياسية مُعقّدة تُدار بعناية من قبل جميع الأطراف لتجنّب الانهيار مع الحفاظ على المكاسب. ومع أن الحكم الأخير يمثّل أداة ضغط في يد القضاء، لكنه ليس عصا سحرية، خصوصاً أن الحكومة تملك في مواجهته أدوات المماطلة البيروقراطية، التي تتيح لها تجاوز تداعياته وسلبياته عليها.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها