إسرائيل تستهدف حزب الله، السعودية وامريكا تستهدفان محورا مناهضا لإيران هآرتس تسفي برئيل بدأ وقف اطلاق النار في لبنا
إسرائيل تستهدف حزب الله، السعودية وامريكا تستهدفان محورا مناهضا لإيران
هآرتس
تسفي برئيل
بدأ وقف اطلاق النار في لبنان يشبه وقف اطلاق النار الذي وقع عليه لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني 2024. وقد استقبل اطلاق النار من قبل حزب الله على قوات الجيش الإسرائيلي وعلى إسرائيل برد مصحوب بتصريحات علنية لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى حول “انهيار وقف اطلاق النار” و”استعداد الجيش الإسرائيلي لاحتمالية استئناف الحرب”. ولكن بالتوازي مع الحوار العسكري، رغم معارضة حزب الله الذي يسعى الى تخريبه، ما زالت هذه الخطوة السياسية غير المسبوقة مستمرة، ولا تقتصر رعايتها على الولايات المتحدة، التي امرت إسرائيل بوقف اطلاق النار، بل هي تشمل مصر والسعودية، اللتان تشاركان فيها بشكل كثيف
وصل امس المبعوث السعودي الخاص يزيد بن فرحان، الذي يتولى حقيبة لبنان نيابة عن ولي العهد محمد بن سلمان، الى بيروت بعد أسبوع واحد فقط من لقائه في الرياض مع علي حسن خليل، مبعوث رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري. تعمل السعودية في لبنان بالتنسيق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي عمانويل ميكرون، الذي حث ترامب على التوصل الى وقف اطلاق النار وفرضه على إسرائيل.
في حين تنظر إسرائيل الى اللقاءات الدبلوماسية مع لبنان على انها خطوة قسرية لن تؤدي الى نزع سلاح حزب الله، بل ستحد فقط من قدرتها على التحرك ضده، ترى السعودية ومصر في الساحة اللبنانية استمرارا للصراع ضد نفوذ ايران في المنطقة، وفي نفس الوقت ساحة قد تقوض نهاية الحرب مع ايران. لطالما كانت السعودية لاعبة رئيسية في الساحة اللبنانية منذ فترة دعمها السياسي والاقتصادي لرئيس الوزراء رفيق الحريري قبل اغتياله في 2005. ومنذ ذلك الحين غيرت السعودية سياستها عدة مرات، وفي السنوات الأخيرة كادت أن تبعد نفسها عما يحدث في لبنان.
في 2016 قررت السعودية تجميد مليارات الدولارات من المساعدات على خلفية مواقف حزب الله. وبعد سنة فشل ابن سلمان في مساعيه لاجبار رئيس الوزراء سعد الحريري، نجل رفيق الحريري، على ابعاد حزب الله من الحكومة وقطع العلاقات مع ايران في لبنان. وفي تشرين الثاني 2017 دعا ابن سلمان الحريري الابن، واتخذ خطوة غير مسبوقة بدعوته لرئيس الوزراء اللبناني الى الرياض، لكن بدلا من اللقاء الدبلوماسي الذي وعده به، قام باعتقاله في احد فنادق المدينة الفاخرة واجبره على اعلان استقالته. الحريري امتثل للطلب، لكن بعد اطلاق سراحه سافر الى باريس ومن هناك الى بيروت حيث اعلن ان استقالته لاغية وباطلة.
لم يقتصر فشل السعودية في كبح جماح ايران في لبنان فقط. ففي نفس السنة التي اعتقل فيها الحريري، فرضت السعودية ودولة الامارات والبحرين ومصر حصار اقتصادي خانق على قطر، وكان من بين شروط رفع هذا الحصار مطالبة قط بالتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وقطع العلاقات مع ايران بالدرجة الأولى. استمر الحصار حتى العام 2021، لكن بعد سنتين وقعت السعودية، بوساطة الصين، على اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية مع ايران. اتسمت هذه العلاقات بالفتور، وغلب عليها الخطاب التصالحي بدون أي مضمون يذكر. امتنعت السعودية عن استثمار الأموال في ايران، واقتصر خيار التعاون العسكري على الكلام. وعندما اندلعت الحرب في غزة في تشرين الأول 2023 كانت السعودية هي التي فتحت الباب امام الإيرانيين للمشاركة في مؤتمرات القمة العربية والإسلامية، واصبح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صاحب بيت في الرياض.
أتاح سقوط نظام الأسد وتولي احمد الشرع الحكم في سوريا فرصة جديدة للسعودية من اجل العودة الى بلاد الشام وترسيخ مكانتها مع تركيا كحليفة لسوريا. استثمر ابن سلمان مئات الملايين في تمويل النظام الجديد، وتعهد باستثمار مليارات أخرى في إعادة اعمار البلاد. وكما تذكرون، كان هو أيضا الذي “اجبر” ترامب على مصافحة احمد الشرع والترحيب بـ “قائد قوي يقوم بعمل رائع” ورفع العقوبات عن سوريا.
لقد سوق ابن سلمان للشرع لدى ترامب ليس فقط كحليف محلي، بل أيضا كخيار محتمل لبناء جدار فاصل بين ايران ولبنان.
عندما تم انتخاب جوزيف عون رئيسا للبنان في كانون الثاني 2025، وتم تشكيل حكومة نواف سلام بعد شهر، قررت السعودية فتح صفحة جديدة مع حكومة لبنان، رغم ان حزب الله كان ما يزال شريك فيها.
في نهاية السنة الماضية رفعت السعودية معظم الحواجز التجارية بين الدولتين، التي كانت مفروضة رسميا بسبب تهريب المخدرات من لبنان الى السعودية، وأيضا اظهار ترددها في اتخاذ إجراءات ضد حزب الله. وفي محادثاته الأخيرة مع القيادة اللبنانية وعد ابن سلمان بالمساعدة في إعادة اعمار لبنان.
اما ايران فقد تلقت ضربة قاسمة بسقوط نظام الأسد والضرر الكبير الذي الحقته إسرائيل بحزب الله، فقد ادركت الابعاد الاستراتيجية التي ستترتب على هذا الاضطراب، ووجدت نفسها في مازق بشان كيفية الرد على سيطرة تركيا والسعودية على ما كان حتى ذلك الحين مجال نفوذها شبه الحصري.
بدون تسميتها بصراحة، المح خامنئي الى ان تركيا مسؤولة الى جانب إسرائيل والولايات المتحدة، عن سقوط نظام الأسد، لكنه لم يذكر السعودية.
أيضا واصلت ايران علاقاتها التجارية الكاملة مع تركيا، ولم تتاثر علاقاتها الدبلوماسية مع السعودية. في الحرب الدائرة ضد ايران أصبحت السعودية هدفا رئيسيا للصواريخ والمسيرات الإيرانية، وتعرضت منشآتها النفطية لاضرار كبيرة، ومع اغلاق مضيق هرمز اضطرت السعودية، مثل دول الخليج الأخرى، الى تقليص تسويق نفطها. ورغم ان السعودية تشغل خط أنبوب النفط الذي يربط شرق البلاد بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، الا انه في حالة استمرار ازمة الخليج فان هذا المسار البديل، الذي لا يستطيع في كل الأحوال استيعاب كل انتاج السعودية من النفط، معرض أيضا لهجمات إيرانية أو هجمات متجددة من الحوثيين.
مع ذلك، لم تقطع السعودية علاقاتها مع ايران، بل ان وزير خارجية ايران عباس عراقجي تحدث هاتفيا مع نظيره السعودي في الأسبوع الماضي وتناقشا في “طرق تخفيف حدة التوتر في الخليج”. عشية اللقاء الأول للوفد الإيراني والوفد الأمريكي في اسلام اباد، اشترط محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد، حضور الوفد بوقف اطلاق النار في لبنان، وقد مارست السعودية نفوذها الكامل على ترامب للموافقة على هذا الشرط كي لا تنهار المفاوضات قبل أن تبدأ.
في هذا السياق ينبغي النظر الى جهود السعودية واستجابة ترامب حتى الان لتعزيز العملية السياسية بين إسرائيل ولبنان. فالبنسبة للسعودية بعد سقوط نظام الأسد، أتاح لبنان فرصة لاستكمال انفصال ايران عن جناحها الغربي. وترى السعودية ان قرار حكومة بيروت نزع شرعية حزب الله العسكرية يبرر منح لبنان فرصة المشاركة في عملية استراتيجية شاملة، كما يبرر ذلك أيضا وجود الحكومة في بيروت والبقاع، وقرارها البدء في مفاوضات سياسية تهدف في نهاية المطاف الى التوصل الى اتفاق سلام مع إسرائيل. وترى السعودية امامها “محور” تشارك فيه سوريا ولبنان، وبمساعدة الضغط الأمريكي الكبير على العراق لتحييد نفوذ قوات الحشد الشعبي . وسيتمكن هذا المحور من تحقيق هدف ترامب على الأقل، وهو ابعاد ايران عن وكلائها المسلحين.
من اجل تنفيذ هذه الخطوة تركز السعودية جهودها الدبلوماسية على استقطاب شريك شيعي لبناني للانضمام للمحادثات في واشنطن والعملية السياسية كلها. ولتحقيق ذلك تحتاج الى موافقة نبيه بري، ولكن هذا السياسي القوي (88 سنة) الذي يملك “الورقة الشيعية” الى جانب حزب الله، لم يحسم امره بعد. وقد بدأ المحللون في لبنان بالفعل بالتكهن حول نية إعادة النظر في توزيع المناصب الرفيعة في لبنان كجزء من الهدايا التي ستقنع نبيه بري بالموافقة على شراكة شيعية في المحادثات مع إسرائيل. ويشير هذا الى التقسيم المنصوص عليه في اتفاق الطائف من العام 1989، الذي انهى الحرب الاهلية. وينص الاتفاق على ان يكون الرئيس مسيحي ورئيس الوزراء سني ورئيس البرلمان شيعي. ومشكوك فيه ان يكون لهذا الاقتراح أي أساس، لانه يمكن ان يؤدي الى انهيار المعادلة السياسية الهشة أصلا.
رغم تاييد نبيه بري لقرار الحكومة اللبنانية الإبقاء على احتكارها للسلاح في لبنان، وعدم معارضته للقاءات بين السفراء، ولكنه، مثل حزب الله وحكومة لبنان، يطالب أيضا بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها والسماح بعودة سكان القرى الذين في معظمهم من الشيعة، الذين طردوا من جنوب لبنان، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية. وهذا ثمن لا ترغب إسرائيل في دفعه، لا سيما في ضوء هجمات حزب الله الأخيرة. وكالعادة يبقى السؤال مطروح حول قرار ترامب. ويرتبط هذا القرار بشكل وثيق بنجاح أو فشل مساعي استئناف المفاوضات مع ايران، وبقوة نفوذ السعودية أيضا
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها