بين الرصاص والسياسة: كيف تتحوّل محاولات اغتيال دونالد ترامب إلى أداة تعبئة؟
في لحظتين سياسيتين بالغتي الحساسية، تعرّض دونالد ترامب لمحاولتي اغتيال انتهتا بالنجاة. الحدثان، بحد ذاتهما، يندرجان ضمن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي رئيس أو مرشح. لكن في السياق الأمريكي المعاصر، لا تُقرأ الوقائع الأمنية بمعزل عن توظيفها السياسي، ولا تمرّ من دون أن تتحوّل إلى مادة تعبئة واستقطاب.
ما يلفت الانتباه ليس فقط تكرار الحادثة، بل الأثر السياسي الفوري لها: تصاعد خطاب #الاستهداف، تضامن القاعدة الشعبية، وإعادة إنتاج صورة القائد المحاصر الذي يواجه قوى خفية. هذه العناصر ليست جديدة في الحياة السياسية، لكنها في حالة ترامب تأخذ طابعاً أكثر حدّة، حيث يُعاد توظيف كل أزمة لتعزيز سردية الصراع الوجودي.
في هذا الإطار، برزت قراءات نقدية تشكّك في طبيعة التعامل السياسي مع هذه الحوادث، لا من زاوية إنكار وقوعها، بل من زاوية كيفية استثمارها. اذ ان التركيز الإعلامي المكثف، والتوظيف الخطابي السريع، يطرحان أسئلة مشروعة حول ما إذا كانت هذه الأحداث تُستخدم لتوجيه الرأي العام أكثر مما هي مجرد وقائع أمنية معزولة.
الأخطر من ذلك، هو الانزلاق السريع نحو تدويل الحادثة في الخطاب السياسي. إذ يظهر، في بعض السرديات، ميل ضمني أو صريح لربط التهديدات بخصوم خارجيين، وعلى رأسهم إيران. علماً انه لم توجه التهمة مباشرة لها بل اعتبر ترامب ان ايران لا علاقة لها بهذه الحادثة، لكن يمكن أن تؤدي هذه الحادثة الى وظيفة سياسية واضحة: نقل النقاش من الداخل المنقسم إلى الخارج “العدو”، وإعادة تعبئة الجمهور حول فكرة الخطر الخارجي.
من منظور اخر، يمكن قراءة هذا النمط كجزء من استراتيجية أوسع: حين تتعقّد الأزمات الداخلية، يصبح التلويح بالتهديد الخارجي أداة فعّالة لتوحيد الصفوف وتبرير سياسات أكثر تشدداً. في هذه الحالة، لا تعود محاولات الاغتيال مجرد أحداث أمنية، بل تتحوّل إلى عناصر ضمن سردية سياسية أكبر تُستخدم لإعادة تشكيل أولويات الجمهور.
مع ذلك، يبقى الفاصل حاسماً بين التحليل والادعاء. فحتى الآن، لا توجد معطيات موثقة تثبت أن هذه الحوادث مدبّرة أو أنها جزء من خطة متكاملة. لكن ما يمكن قوله بثقة، هو أن طريقة توظيفها سياسياً تكشف الكثير عن طبيعة الخطاب في لحظة أمريكية شديدة الاستقطاب، حيث تختلط الوقائع بالتأويلات، وتصبح الحقيقة نفسها ساحة صراع.
في النهاية، قد لا تكون القضية في ما حدث بقدر ما هي في كيف يُستخدم ما حدث. وهنا تحديداً تكمن القوة الحقيقية في السياسة: ليس في الحدث ذاته، بل في الرواية التي تُبنى حوله.