
الباحث السياسي د بلال اللقيس
كيف سيتعاطى ترامب مع تراجع مكانته بعيون حلفائه فضلاً عن خصومه، وكيف يمكن أن يترك "إسرائيل" وحدها ويتراجع إذا ازداد الضغط عليه وتعمق الفشل؟
"إنّ قرار حرب شاملة على إيران هو فخ تقع فيه أميركا وخطأ استراتيجي كبير"، بل يذهب جلّهم للقول إنّه سيهدد موقع أميركا العالمي ومستقبلها الإمبراطوري وتراهم جميعاً يحذّرون من مغبّة ذلك خصوصاً في العقدين الأخيرين، وكلهم أكدوا على طريق الدبلوماسية أو الضربات المحدودة على أبعد تقدير، والتي تساعد في أن "يُقرن التفاوض بإطار استراتيجي لإدارة التوازن في المنطقة" كما ذهب كيسنجر إلى التفاوض.
ولا تكاد تجد حتّى عند كبار منظري المحافظين الجدد، مثل كاغان وغيره، من لديه توّجه لحرب كبرى مع إيران، أما الرؤساء من بوش الأب إلى بايدن فجنحوا إلى الاحتواء لتعديل سلوك النظام، بالضغط تارة والانفتاح تارة أخرى، أو استخدام الأسلوبين وصولاً إلى استراتيجية الصراع داخل الحضارة الإسلامية.
وإذا وسّعنا دائرة البحث إلى المفكرين والاستراتيجيين اليساريين في الغرب، من مثل ديفد هارفي وأمثاله، فهم سيفّندون فشل مقاربة الحرب الشاملة مع إيران، ويرون أنّها لن تأتي بالاستقرار البنيوي ولا الاقتصادي بل ستفاقمه، وكذلك هي حال الاستراتيجيين الشرقيين في روسيا والصين وأميركا اللاتينية ودولنا العربية والإسلامية.
حاولنا أن نفهم البنية المفاهيمية التي ارتكزت عليها إدارة ترامب في هذا القرار الذي خالف كل رواد المدرسة الواقعية وغير الواقعية واستراتيجييها في الغرب والشرق فلم نجد!!
إنّ أميركا التي يُفترض أنّها تعتبر وتأخذ الدروس، وأنّها علمية وعقلانية في مقاربتها، تعيد ما جرّبته وفشلت فيه، بدءاً من أفغانستان والعراق ثم اليمن مع الفارق الكبير بينهم وبين إيران، وكيف لها أن تعيد تجريب المجرب؟
كيف لها أن تأخذ قراراً بالحرب على دولة عريقة وضاربة في التاريخ تجمع بعداً دينياً وخطاباً مقاوماتياً استنهاضياً ممتداً وموقعاً جغرافياً حاسماً، وتشّكل بيضة قبان الميزان الدولي بين الشرق والغرب، وخط الدفاع الاستراتيجي الأخير عن المسلمين ودولهم المحورية!
ناهيك عن أنّ الإدارة افتقرت في تبرير فعلها لأي مبررات قانونية أو شرعية، بل حتى لأي إجماع في الداخل الأميركي (باعتبار أنه يمكن النظر إلى الإجماع كمبرر ).
في الحقيقة، لم نهتدِ إلى إجابة وافية إلاّ إن عدنا فاستذكرنا ما تشّكل لدينا بعد متابعة طويلة من مفاتيح تبدو ضرورية لفهم أميركا وسياستها الخارجية، وهي ولأنها دولة لا تقرأ التاريخ، وصناعة القرار في سياستها الخارجية ليست متّسقة، بل تتجاذبها قوى متعارضة ومتناحرة أحياناً وأجندات مختلفة بعضها إيديولوجي.
وحضرنا عنوان كتاب كيسنجر "هل لأميركا استراتيجية متماسكة للسياسة الخارجية؟" حيث كان ينتقد بشدّة الهوّة بين القوة التي تمتلكها أميركا وبين غياب الاستراتيجية المتماسكة، التي كثيراً ما تجعلها تختار استعمال الزر الخطأ.
هي دوماً تعيش وهم القوّة ولا تقارب السياسة دوماً بالعقلانية، بل أحياناً كثيرة بالإيديولوجيا، والرئيس الأميركي ترامب قد دفعته الضغوط والإكراهات الداخلية لقرارات ليست من صالح أميركا أولاً، وغياب أهل الفكر من حوله لحساب المهلّلين الذين ينحنون له ويعبدونه "الملأ" جعله يتحدّث مع نفسه ويفترض أنّ القرارات التي يتّخذها هي الحقيقة والصواب حتى لو كان منشأها الوهم.
ويحسب أنّه يحسن صنعاً وكل من يخالفه في أميركا هو إمّا عميل لإيران أو للصين، ولا داعي للتذكير بأن أميركا استعجلت في العقدين الأخيرين نبذ الديمقراطية كفلسفة وحولتها إلى أداة، وتركت القيم وحولتها إلى صفقات عاجلة وآنية، ونقضت عن هوّيتها الثقافية والسياسية المدّعاة، ولم يكن وصول ترامب إلا نتيجة لذلك.
اليوم، وبعد مضي 4 أسابيع من الحرب، لا يوجد وضوح في خطاب إدارة ترامب عن أهداف هذه الحرب. متى ستنتهي؟ كيف ستتحّقق الأهداف؟ ماذا بعد اتساع وغرق الإدارة في المستنقع – أوليس هذا مخالفاً لما تحدّثت به وثيقة الأمن الوطني للعام 26 من تقليص القوات الأميركية في الشرق الأوسط – وماذا بعد أن أصبحنا أمام حرب استنزاف طويلة مع مجتمع يمتلك النفس الطويل ويجيد الحروب الطويلة كجزء من شخصيته التاريخية؟
وكيف سيتعاطى ترامب مع تراجع مكانته بعيون حلفائه فضلاً عن خصومه، وكيف يمكن أن يترك "إسرائيل" وحدها ويتراجع إذا ازداد الضغط عليه وتعمّق الفشل؟ وما هي استراتيجية الخروج من حرب كهذه ؟ ألا يمكن أن تتحّول إيران الى دولة أكثر تشّدداً في الفترة المقبلة وتذهب إلى القنبلة النووية؟ ألا يمكن أن تعتنق تركيا أيضاً هذا المذهب؟ ألا يمكن أن يسارع بوتين لحسم أسرع في أوكرانيا بالخروج عن المبادئ الدولية الحاكمة لأدائه حّتى اليوم؟ وماذا عن الصين وتايوان، وماذا عن أولوية التوجه شرقاً؟
لم يمرّ شهر وبدا حجم الإرباك والتهافت والتناقض في خطاب الإدارة الأميركية، ما يؤكّد أنّها ومهما طالت – وقد تطول وتتوّسع أكثر – إلاّ أنّها لن تأتي بأي نتيجة لصالح أميركا، بل إنّ حلفاء أميركا سيخرجون أضعف وفي مقدّمهم "إسرائيل" التي تتراجع مكانتها ووزنها وانكشفت حقيقة قدرتها بعد خطاب مبالغ فيه بالقدرة على التمدد والتوسع بالقوة.
أما الخليج ودوله فستتمايز عن تطابقها التاريخي مع أميركا وتبدأ مساراً جديداً في نظرتها لذاتها وعلاقاتها. ربّما يعود ترامب ويسأل عن صوابية أدائه حين كان يستخف بحكام العرب وشعوبنا ويوّقع الأوراق بتعالٍ وتكبّر دعماً لتوسّع "إسرائيل"، مستخفاً بالوقائع الصلبة ومتجاهلاّ حنق واحتقان مئات الملاييين من العرب والمسلمين والقانون الدولي، ويتبجح بذلك عوضاً عن أن يضبط متطرفي الكيان ويجبرهم على القبول بحل الدولتين الذي قدّمه له العرب على طبق من فضّة ذات يوم (طبعاً الكاتب لا يعتبر حل الدولتين حلاً منصفاً لكنه يذكر ما أجمعت عليه الأنظمة عام 2002 في مبادرة بيروت).
وقد تستدرك أميركا وتراجع أداءها حين أبدت إيران التعاون في التفاوض غير المباشر للخروج بـ"رابح رابح" واجتناب الانفجار الكبير. الأميركي انزلق إلى المستنقع لسوء تقديره، أساء التقدير في فهم اللحظة التاريخية وسماتها فيها ما يهدد بتغيرات بنيوية في لحظة معيّنة من استمرار الصراع والفوضى الشاملة، لقد أخِذت الإدارة بالتعجل ووهم القوة ووهم الإيديولوجيا الصراعية والسطحية في تقدير موازين القوى وتداخل الأبعاد، فقفزت فوق العقلانية المصلحية بوهم القوّة والإيديولوجيا حين أعلنتها حرب إسقاط الإسلام في إيران، ولن تحتاج الأمور الى وقت طويل لتتدارك وتبدأ التراجع، وإلاّ فالسير حتمي الى حرب استنزاف قاتلة لا بيناه وبين إيران و "إسرائيل" فقط، ولا في الإقليم العربي فقط، بل في الإقليم الأوسع، وربّما في العالم إذا أمعن في خطئه.
وستكون النتيجة ليست أقل من تصدع زعامته وسيكتشف لماذا لم يقبل العقلاء وكل المنّظرين والغالبية الساحقة من رؤساء أميركا من قبله هذه الخطوة ولم يسيروا بها. حينها سيسجّل التاريخ أنّ ترامب يشبه غوربتشوف أميركا، بل أسوأ، لأنه يخوض الحرب من أجل "إسرائيل" ونتنياهو، والأكثر تطرفاً ممّن حوله لا من أجل " ماغا ".