خيارات إيران في مواجهة الحصار «حرب الناقلات» عائدة؟ آسيا حسن حيدر الثلاثاء 21 نيسان 2026 إيران مستمرة في إعادة بناء قو
خيارات إيران في مواجهة الحصار: «حرب الناقلات» عائدة؟
آسيا
حسن حيدر
الثلاثاء 21 نيسان 2026
إيران مستمرة في إعادة بناء قوتها الصاروخية (من الويب)
في الوقت المستقطَع ما بين جولتَي إسلام آباد التفاوضيتَين، يسعى كلّ من الطرفَين المتحاربَين إلى فرض روايته؛ فالولايات المتحدة التي لم تنجح في انتزاع نصر حاسم، تعمل على تعويض هذا النقص عبر بناء «صورة نصر» تُستخدم كورقة تفاوضية، في حين تتحرّك إيران، بثقة مدروسة، لتفكيك تلك السردية، مستندةً إلى وقائع ميدانية وإجراءات عملية تعيد رسم ميزان القوى. ومنذ بدء المعركة، تبنّت الإدارة الأميركية مقاربة قائمة على الضغط المركّب - وذلك عبر تهديد عسكري مباشر يترافق مع خنق اقتصادي وتجاري -، مستهدفةً ليس دفع إيران إلى التفاوض فقط، بل فرض صورة ذهنية تسبق أيّ اتفاق، مفادها أن طهران جاءت مكرهة، ومن موقع ضعف إلى طاولة إسلام آباد، وهو ما يتّسق مع سعي واشنطن إلى تحويل أيّ تسوية محتملة إلى ما تصفه بـ«الإقرار الإيراني بالهزيمة».
على أن الجولة الأولى من التفاوض كشفت هشاشة تلك المقاربة؛ فبينما روّج الأميركي لكون العامل الأساسي لدخول إيران حلبة التفاوض كان سقف التهديد المرتفع بضرب البنى التحتية الحيوية، قدّمت إيران إطاراً تفاوضياً متكاملاً من عشرة بنود، أعادت عبره تعريف قواعد اللعبة، مؤكدةً أنها لا تتفاوض تحت الإكراه، بل من موقع القادر على فرض شروطه أو على الأقلّ منع فرض شروط عليه. أمام هذا الواقع، وجدت الولايات المتحدة نفسها إزاء معضلة إنهاء المواجهة من دون أن تُظهر قبولها للشروط الإيرانية، فكان الحلّ بالانتقال إلى تصعيد محسوب متمثّل في الحصار البحري. والحصار هذا، تدرّج عبر إعلانات متعدّدة، وصولاً إلى إبداء التمسّك به رغم إعلان إيران - بالتزامن مع وقف إطلاق النار في لبنان - فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية غير العسكرية عبر مسارات آمنة داخل مياهها الإقليمية قرب جزيرة «لارك»، وهو ما سحب من المفاوض الأميركي واحدة من أهمّ أوراق الضغط، وأظهر الجمهورية الإسلامية كضامن للاستقرار الملاحي لا كمهدّد له، وأحرج صاحب القرار الأميركي الذي شكر إيران على فتح المضيق.
وهكذا، بدا الإصرار على فرض الحصار البحري، محاولة لتعويض خسارة ورقة «هرمز»، بعد أن نجحت إيران في تحييدها جزئياً. وأتى ذلك رغم الإدراك التامّ لمحدودية فاعلية الحصار؛ فالجغرافيا البحرية الواسعة، وتعدّد مسارات التجارة الإيرانية، وغياب القدرة الفعلية على فرض طوق محكم قرب السواحل الإيرانية، كلّها عوامل تجعل «الخناق» الأميركي أقرب إلى إجراء رمزي منه إلى أداة ضغط حقيقية. كما أن إيران تمتلك أدوات التفاف فعّالة، أبرزها العمق البرّي عبر دول الجوار، وفي مقدّمها العراق وتركيا وباكستان؛ إذ إن هذه المسارات، رغم كلفتها الأعلى، توفّر بديلاً عملياً يسمح باستمرار تدفّق السلع والطاقة، ما يقلّل من أثر الحصار. ويضاف إلى ما تقدّم، أن سماح طهران بمرور سفن «صديقة»، ولو بشكل محدود، أضفى طابعاً انتقائياً على إدارة الملاحة، وكرّس واقعاً مفاده أن السيطرة الفعلية على المضيق لم تنتقل إلى واشنطن.
كسْب الرأي العام الدولي بالنسبة إلى إيران لا يقلّ أهمية عن كسب المعركة الميدانية
ومع تراجع جدوى الحصار إعلامياً، تصاعد التوتر نحو مستويات أكثر خطورة؛ إذ اعتُبر اعتراض حاملة حاويات إيرانية خرقاً مباشراً لوقف إطلاق النار، ما استدعى رداً سريعاً عبر الطائرات المسيّرة التابعة للبحرية الإيرانية في اتجاه قطع بحرية أميركية، وذلك كرسالة استراتيجية بأن قواعد الاشتباك يمكن أن تتغيّر، وأن «حرب الناقلات» لم تعُد مسألة نظرية، بل باتت خياراً قابلاً للتنفيذ. هنا، تَدخل المواجهة مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تصبح المعادلة الحاكمة: «النفط مقابل النفط»؛ فالهدف الأميركي من الحصار هو خنق صادرات النفط الإيرانية، لكن الردّ الإيراني المحتمل يتمثّل في تهديد تدفّق النفط عبر مضيق هرمز بأكمله. وهذه ليست ورقة ضغط عادية، بل سلاح استراتيجي يمسّ الاقتصاد العالمي، وليس المصالح الأميركية فقط.
ضمن هذا الإطار، تمتلك إيران مجموعة من الخيارات التصعيدية، أبرزها الإغلاق الكامل للمضيق أمام صادرات النفط، مع الإبقاء على مرور محدود وفق شروطها، بما يعزّز سرديتها بأنها الطرف القادر على التحكّم بالممر الحيوي. كما يمكنها اللجوء إلى استهداف متماثل للسفن التجارية، بما فيها المرتبطة بالولايات المتحدة، سواء داخل الخليج أو خارجه. ورغم أن هذا الخيار لا يبدو مفضّلاً نظراً إلى تداعياته الدولية، إلّا أنه يظل جزءاً من بنك الأهداف، وضمن استراتيجية الردّ المتماثل. مع ذلك، تحاول إيران إبقاء التصعيد ضمن نطاق محسوب، عبر التركيز على الأهداف العسكرية الأميركية بدلاً من توسيع دائرة الصراع لتشمل الملاحة المدنية بشكل شامل، في ما يعكس إدراكاً بأن كسب الرأي العام الدولي لا يقلّ أهمية عن كسب المعركة الميدانية، خاصة في ظلّ سعي طهران إلى تدويل آثار الحصار. فإيران تدرك أن الضغط الحقيقي على الولايات المتحدة لا يأتي من الميدان فقط، بل من الاقتصاد العالمي أيضاً؛ إذ إن تعطيل الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن، يمكن أن يحوّلا الحصار من أداة ضغط أميركية إلى عبء دولي يدفع القوى الكبرى إلى التدخّل سياسياً لاحتواء الأزمة، وهو ما يعني نقل الصراع من ثنائية أميركية - إيرانية إلى قضية دولية تمسّ استقرار الأسواق العالمية.
في النتيجة، فإن غياب استراتيجية الخروج من الحرب مع إيران، وضع الولايات المتحدة بين خيارَين أحلاهما مرّ: إمّا التفاوض من دون القدرة على فرض شروط الهزيمة على إيران، وإمّا الذهاب إلى التصعيد من دون ضمان تحقيق نصر، مع احتمال خروج الأمور عن السيطرة بحرب استنزاف طويلة تحضّرت لها طهران جيداً، مستفيدةً من الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والقوة العسكرية القادرة على إيلام الأميركي وحليفه الإسرائيلي.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها