الاخبار: مريم علي؛ الأحد 19 نيسان 2026
مع دخول الهدنة المعلنة بين كلّ من المقاومة في لبنان والعدو الإسرائيلي حيّز التنفيذ منتصف ليل 16 نيسان 2026، بدأت موجة عودة سريعة إلى القرى الجنوبية والأحياء المدمّرة، على الرغم من التحذيرات الرسمية من هشاشة التفاهم واستمرار الخروقات.
الطرق المؤدية إلى الجنوب شهدت حركة كثيفة منذ الساعات الأولى، فيما عاد كثيرون لا للإقامة، بل لتفقّد البيوت والأرزاق وما تبقّى من أثر الحياة قبل الرجوع إلى أماكن نزوحهم، تحت وطأة الخوف من أن تكون الهدنة مجرد استراحة قصيرة في حرب لم تنتهِ بعد.
أمام هذا المشهد، بدت عودة عائلة «سلامة» النازحة من بلدة كونين، في قضاء بنت جبيل، أقرب إلى «زيارة اضطرارية» ممزوجة بالشوق والحذر. خرجت العائلة من مكان نزوحها في الجبل مع أول ضوء، بعدما أمضت الليل تتابع الأخبار وتراقب ما إذا كانت الساعات الأولى ستمر من دون انهيار التهدئة. لم يكن القرار يساوي عودة نهائية إلى القرية، بل رحلة تفقد: «هل ما زال البيت قائماً؟ هل بقيت الأرض كما تُركت؟ هل نجت السيارة، الخزان، الأبواب، أشجار الزيتون، والغرف التي خرجوا منها على عجل قبل أسابيع؟»
الهدنة الهشة تدفع الجنوبيين إلى عودة معلّقة نحو القرى الحدودية
على الطريق جنوباً نحو كونين، لم تكن الرحلة عادية. صور الدمار سبقت الوصول. الجسور المدمّرة والطرقات المقطوعة فرضت على العائدين سلوك مسارات بديلة، فاضطرت العائلة لقضاء حوالي 10 ساعات على الطريق! فيما تحدّثت تقارير ميدانية عن عبور سيارات فوق معابر مؤقتة بعد تدمير الجسور فوق الليطاني، وعن عائلات دخلت قراها لتجدها غير قابلة للحياة أو للإقامة. في أكثر من منطقة، لم يكن الناس يعودون ومعهم حقائب استقرار، بل أكياس فارغة يريدون ملأها بما يمكن إنقاذه من البيت.
في كونين، لم تكن العودة مدفوعة فقط بحاجة مادية إلى التحقق من حجم الخسارة. كان هناك دافع أشدّ بساطة وعمقاً: الشوق إلى الأرض. هذا ما يفسر إصرار كثير من العائلات الجنوبية على المجازفة بزيارة سريعة، حتى عندما تعرف مسبقاً أنها لن تبقى. بالنسبة إلى هذه العائلة، لم يكن البيت مجرد بناء يُفحَص من الخارج. كان ضرورة نفسية ومعنوية أيضاً: أن يروا الساحة، أن يفتحوا الباب، أن يدخلوا الغرف، أن يطمئنوا إلى أن البلدة لم تتحول، في غيابهم، إلى مكان منقطع عنهم تماماً.
لكن مشهد العودة نفسه كان كافياً ليحسم القرار المعاكس: لا إقامة الآن. فالمعطيات الميدانية التي رافقت الهدنة لم توحِ بأن الجنوب دخل فعلاً مرحلة أمان. تقارير دولية ومحلية أفادت بأن الجيش الاحتلال واصل بعد بدء التهدئة أعمال تجريف والهدم في عدة مناطق جنوبية، مع تسجيل قصف مدفعي على محيط بلدات عدة، فيما قالت «إسرائيل» إنها ستُبقي قواتها داخل «منطقة أمنية» تمتد في بعض النقاط حتى عمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وتحدثت تقارير عن بقاء السيطرة الإسرائيلية على عشرات البلدات والقرى في الجنوب. كما دعا الجيش اللبناني السكان إلى التريث في العودة إلى بعض القرى بسبب الانتهاكات المتواصلة.
العودة إلى الأرض ليست إعلاناً بانتهاء الحرب، بل تمسكاً بالعلاقة معها رغم الحرب
لذا، بدت رحلة عائلة كونين أقرب إلى «عودة معلّقة»: يدخلون القرية، يتفقدون البيت والأملاك، يلتقطون صور الأضرار، يجمعون بعض الأوراق والثياب وما خفّ حمله، ثم يعودون إلى الجبل، مقرّ النزوح المؤقت، قبل المغيب، أو في اليوم التالي.
ليس لأنهم تخلّوا عن قريتهم، بل لأن البقاء فيها، في هذه اللحظة، صار مغامرة مفتوحة. كونين نفسها كانت قد تعرّضت خلال الأيام الأخيرة لغارات وقصف، كما أن المنطقة المحيطة ببنت جبيل بقيت ضمن نطاق التوتر العسكري المفتوح، ما يجعل قرار المبيت فيها محفوفاً باحتمال تجدد القصف أو تفجير المنازل أو توسع العمليات البرية.
في هذا المعنى، تختصر عائلة «سلامة» حال شريحة واسعة من الجنوبيين اليوم: العودة إلى الأرض ليست إعلاناً بانتهاء الحرب، بل تمسكاً بالعلاقة معها رغم الحرب. يذهبون لأن الغياب الطويل يثقلهم، ولأن ترك القرية معلّقة في المخيلة أصعب من رؤيتها مجروحة في الواقع. لكنهم لا يمكثون، لأن الوقائع على الأرض تقول إن الهدنة لا تزال هشة، وإن ما يجري حتى الآن لا يشبه نهاية حرب بقدر ما يشبه وقفاً مؤقتاً للنار تحت سقف تهديد دائم.
هكذا عادت العائلة إلى قريتها ثم غادرتها من جديد في اليوم نفسه: بين رغبة طبيعية في لمس البيت والأرض، وبين اقتناع قاسٍ بأن الوقت لم يحن بعد للعودة الكاملة. كانت زيارة تثبيت صلة أكثر منها استعادة حياة؛ زيارة تقول إن أهل القرى لم ينسحبوا من أمكنتهم في المعنى، حتى لو اضطروا إلى الانسحاب منها في الجغرافيا، ريثما تتضح إن كانت هذه الهدنة بداية استقرار فعلي، أم مجرد هدنة قصيرة في حرب مرشحة للعودة.

