
بقلم// الإعلامي خضر رسلان
مرّة جديدة، يحاول قادة الكيان تسويق رواية جاهزة: جيش يتقدّم، ومقاومة تتراجع، وإنجازات تُبنى فوق ركام. لكن المشكلة في هذه الرواية أنها لا تصمد طويلًا أمام أول اختبار ميداني… لأن ما يجري على الأرض لا يُشبه ما يُكتب في بيانات الحرب.
المقاومة لا تخوض هذه المعركة كجيشٍ تقليدي يحرس خطوط تماس، ولا كقوةٍ تبحث عن جبهة ثابتة تدافع عنها. هي ببساطة ترفض قواعد اللعبة التي يريدها العدو. لا خطوط جامدة، ولا نقاط يمكن تثبيتها. هناك تكتيك مختلف: كرّ وفرّ، مجموعات صغيرة، واستنزاف يُدار بصبرٍ بارد.
وهنا تبدأ المعضلة.
العدو الذي أعلن منذ الأيام الأولى عن اجتياحات برية متكررة، اكتشف سريعًا أن التقدّم في الجغرافيا لا يساوي شيئًا عندما تتحوّل كل نقطة يحتلها إلى عبءٍ عليه. المقاومة لا تقاتل لمنع التقدّم بأي ثمن، بل لتحويل هذا التقدّم إلى مأزق. أن تدخل ليس المشكلة… أن تبقى، تلك هي العقدة.
في هذه المعادلة، لا يعود السؤال: كم تقدّمت؟ بل: كم ستدفع لتبقى؟
خطة المقاومة واضحة لمن يريد أن يرى: منع الاستقرار، سلب القدرة على التثبيت، وضرب العمق الخلفي حيث يؤلم—في المستوطنات ومناطق تجمع الجنود. إنها حرب تُدار على الأعصاب قبل أن تُحسم على الأرض.
ولأن الحقيقة ثقيلة، يختار العدو إخفاءها. خسائره لا تُعلن، أرقامه تُنتقى، وصورته تُعاد صياغتها يوميًا عبر تضخيم مكاسب وهمية. فالرواية هنا ليست تفصيلًا إعلاميًا، بل شرطٌ لاستمرار الحرب. الاعتراف بالحقيقة يعني سقوط المبرر… وسقوط المبرر يعني نهاية المشهد الذي يحاول رسمه.
في المقابل، يتشكّل عنصر قوة إضافي حين يُدرج لبنان ضمن أي معادلة لوقف إطلاق النار. هذه المقاربة لا تعزله، بل ترفعه إلى موقع لا يمكن تجاوزه. يصبح جزءًا من الحل، لا ساحةً تُستخدم ثم تُترك.
وحين يُربط أي اتفاق بلبنان، تتبدّل الحسابات. لم تعد الحرب قرارًا أحاديًا، بل مسارًا معقّدًا تزداد فيه الضغوط الدولية لوقفها. وهنا يتكشّف الفارق: من يحاول إطالة أمد الحرب، ومن يجد نفسه مضطرًا للبحث عن مخرج.
أما محاولة تصوير ما جرى في الحروب السابقة كإنجاز حاسم، فقد سقطت مع أول مواجهة جدية. الصورة التي سُوّقت كـ“انتصار” تآكلت سريعًا أمام واقع ميداني مختلف، وأمام عجزٍ عن ترجمة القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية مستقرة.
المفارقة أن ما أُريد له أن يكون مجدًا، تحوّل إلى عبء.
فالمقاومة، ومعها الداعمون لها، لم تكتفِ بإرباك الميدان، بل أعادت رسم المشهد بالكامل. الضربات التي طالت عمق الكيان أسقطت وهم السيطرة، ووضعت قادته أمام حقيقة لا يمكن تجميلها: لا حسم، لا استقرار، ولا أفق واضح.
في النهاية، ليست المشكلة في ما يُقال… بل في ما يُخفى.
ولأن ما يُخفى أكبر بكثير مما يُعلن، تستمر الحرب—لكن على وقع حقيقة واحدة:
أن من يظنّ أنه يتقدّم… قد يكون في الواقع يُستنزف ببطء.