
منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران نهاية شهر شباط - فبراير الماضي، شهدت أسعار النفط تقلّبات غير مسبوقة، حيث قفز سعر برميل الخام برنت من حوالي 65 دولاراً للبرميل إلى ذروة 119.5 دولار في التاسع من آذار الماضي، قبل أن يستقر مؤخراً حول 100-112 دولار.
يكشف تحليل التأثير الفعلي لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أسعار النفط نقطة شديدة الأهمية. فبينما كانت تُسقط تصريحاته الأسعار بنسبة تصل إلى 23% في البداية، أصبح تأثيرها اليوم أقل من 1.2% رغم استخدام نفس اللغة «المهدّئة». هذا التحليل الفني المبني على البيانات المباشرة من السوق يثبت أن الأسعار ستواصل الصعود طالما استمرت المخاطر الفيزيائية الحقيقية، وخاصة مع نفاد المخزونات العالمية تدريجياً.
إغلاق مضيق هرمز أثّر بحد ذاته على 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 20% من التجارة العالمية للنفط، وتشير التقارير أنه نتج عن ذلك خسارة فورية لـ 12 مليون برميل بشكل يومي في النصف الأول من شهر آذار. ففي السعودية مثلاً، أصبحت مصفاة رأس تنورة، والتي تبلغ طاقتها الإنتاجية 550 ألف برميل يومياً، متوقفة كلياً، قبل أن تستأنف انتاجها لاحقا. بينما أغلقت مصفاة الرويس في الإمارات بطاقة 922 ألف برميل. كما انخفض إنتاج الجنوب العراقي بنسبة70% من 4.3 مليون برميل إلى 1.3 مليون برميل يوميًا. هذه الخسائر الإجمالية البالغة حوالي 6-8 مليون برميل يومياً في نهاية شهر آذار، تعادل 8% من العرض العالمي، وهي أكبر صدمة نفطية يشهدها العالم منذ حرب الخليج عام 1991. [1][2][3]
حاولت إدارة ترامب التخفيف من الأزمة من خلال إجراءات محدودة، حيث أُعْفِيَتْ 140 مليون برميل نفط إيراني مخزّن من العقوبات، علمًا أنه يكفي لشهر واحد فقط. كما سُمح مؤقتاً لروسيا ولمدة 30 يوماً، بتصدير نفطها دون عقوبات، مما رفع سعر خام أورال من 52 دولاراً إلى حدود 70-80 دولار. في المقابل، أعلنت الهند شراءها للنفط الإيراني دون أي عقبات في الدفع للمرة الأولى منذ سبع سنوات. لكن هذه الحلول لا تعوّض خسائر الخليج بشكل فوري، إذ تغطي روسيا الطلب لمدة وقدرة محدودة لكنها غير قادرة على سد الفجوة الحالية الناتجة عن القصف والإغلاقات المباشرة. [4][5][6]
يُظهِر التحليل الفني لأسعار برميل خام برنت بين 28 شباط - فبراير و3 نيسان - أبريل تأثير تصريحات ترامب على سعر برميل النفط. فبتاريخ 9 آذار، أسقط قوله «الحرب ستنتهي قريباً» السعر من 119.5 دولار إلى 91.7 دولار بنسبة 23.2% مع حجم تداول 3.2 ضعف المتوسط. أما في 23 آذار، فقد أحدث منشور «أجرينا محادثات جيدة جداً مع إيران» على «تروث سوشيال» انخفاضاً بنسبة 15.9% من 113.3 دولار إلى 95.4 دولار.
لكن في 1 نيسان، لم يتجاوز تأثير تصريحه «لدينا فرصة بالغة الجدّية للتوصل إلى اتفاق» نسبة 5.3%حيث انخفض فقط من 112.7 دولار إلى 106 دولار. أمّا في 2 نيسان، ورغم الترقب الكبير للخطاب الذي جرى الترويج له طوال ذلك النهار، أصبح تأثير «المفاوضات ما زالت مطروحة» ضئيلاً بنسبة تأثير لم تتجاوز 1.2% فقط من 105 دولار إلى 103.7 دولار ولمدة ساعتين فقط، قبل أن يرتفع السعر ليلامس عتبة الـ 112 دولار خلال تداولات السوق الآسيوي والأوروبي.
هذه المراحل الثلاثة المثبتة فنياً - تأثير قوي ثم متوسط ثم ضئيل - تُظْهِرُ معدل انحدار خطي يؤكد التراجع المنهجي في تأثير وعود وتصريحات ترامب.
| التاريخ | التصريح | السعر قبل التصريح (بالدولار) | السعر بعد التصريح (بالدولار) | نسبة التغيير |
| 9 آذار 2026 | الحرب ستنتهي قريباً | 119.5 | 91.7 | 23.2%- |
| 23 آذار 2026 | أجرينا محادثات جيدة جداً مع إيران | 113.3 | 95.4 | 15.9%- |
| 1 نيسان 2026 | لدينا فرصة بالغة الجديّة للتوصل إلى اتفاق | 112.7 | 106 | 5.3%- |
| 2 نيسان 2026 | المفاوضات ما زالت مطروحة | 105 | 103.7 | 1.2%- |
وهنا يمكننا الإشارة إلى أن السيناريو الأسوأ يظهر مع تهديد ترامب بالاحتلال العسكري لجزيرة خارك، حيث يشلّ ذلك انتاج وتصدير 4 ملايين برميل نفط إيراني إضافي ويُرجّح أن يؤدي ذلك إلى إغلاق مضيق هرمز بشكل كلّي. وفي هذا السياق، توقع خبراء الطاقة PVM Energy أن رؤية برنت عند حدود 200 دولار «لن تكون فرضية مستبعدة»، كما ذكرت مجموعة ماكواري الاستثمارية في إحدى تقاريرها مؤخراً أنها تتوقع سعر الـ200 دولار للبرميل باحتمال 40% إذا ما امتدت الحرب لشهر حزيران-يونيو. [7][8] [9]
يرى المراقبون أنه مع استنزاف المخزونات العالمية بمعدل 12 مليون برميل يومياً، يتبقى حوالي الـ60 يوماً قبل الانفجار الاقتصادي العالمي. وكما يظهر بأن قدرة ترامب على المناورة الكلامية انتهت فعلياً. فالأسعار الآن تُحْكَمْ بالعرض الفيزيائي المتقلِّص بشكل مستمر، لا بالكلام السياسي. ومع استمرار الحرب وتصاعد المخاطر في مضيق هرمز والمخاطر المرتبطة بما قد تتعرض له جزيرة خارك، فإن سعر النفط متّجهٌ للصعود الحتمي طالما لم تُعَادَ البراميل المفقودة إلى السوق بشكل ما. وختامًا، يمكننا القول أن السوق تعلّمَ الدرسَ: الكلامُ لا يُخفّض الأسعار ما لم يعد النفطَ المفقود من الأسواق.
المراجع: