
منذ تأسيسه، بنى الكيان الإسرائيلي سرديته على فكرة “الجيش الذي لا يُقهر”. هذه الفكرة لم تكن مجرد شعار، بل ركيزة نفسية لوجوده. لذلك، فإنّ أيّ تصدّع فيها خصوصاً حين يأتي على يد مقاومة غير تقليدية يُعدّ تهديداً يتجاوز الخسارة الميدانية إلى أزمة ثقة داخلية قد تمتدّ إلى المؤسسة السياسية نفسها. هنا، يصبح إخفاء الخسائر ليس خياراً، بل ضرورة بنيوية.
في المواجهة مع المقاومة في جنوب لبنان، يتجلى هذا النهج بشكل صارخ. الاشتباكات البرية، التي تجري في بيئة معقدة ومكشوفة للكمائن، تفرض كلفة عالية على القوات الإسرائيلية. دبابات متطورة من طراز الميركافا تُصاب وتُدمّر، ناقلات جند تُستهدف بدقة، ووحدات نخبوية تجد نفسها في اشتباكات قريبة تستنزفها. ومع ذلك، نادراً ما تظهر هذه الوقائع في البيانات الرسمية، التي تميل إلى لغة باردة ومختزلة، أو تتجاهل الحدث بالكامل.
هذا التعتيم لا يقتصر على ساحة القتال المباشر. فمع توسّع دائرة الاشتباك، بات العمق الإسرائيلي نفسه جزءاً من المعركة. الصواريخ التي تصل إلى المستوطنات، وحالات الذعر الجماعي، وتعطّل الحياة اليومية، كلها مؤشرات على كلفة بشرية ونفسية مرتفعة. ومع ذلك، تُعاد صياغة هذه الوقائع ضمن روايات مخففة: “سقوط في مناطق مفتوحة”، “أضرار محدودة”، أو “إصابات طفيفة”، في محاولة دائمة للحفاظ على صورة السيطرة.
تاريخياً، يتكرّر هذا النمط بوضوح. في بداية الاجتياح عام 1982، جرى تصوير عملية نوعية كبيرة في صور كحادث عرضي لتفادي صدمة مبكرة. وفي معركة السلطان يعقوب، أُخفي حجم الخسائر والتخبّط الميداني. لاحقاً، في كمين أنصارية عام 1997، احتاجت الرواية الرسمية سنوات لتقترب من حقيقة ما جرى. أما في حرب تموز 2006، فقد ظهرت فجوة واضحة بين ما كانت تعرضه الشاشات من دبابات محترقة وما كانت تقوله البيانات العسكرية.
لكن التحوّل الأهمّ جاء مع دخول “سلاح الصورة” إلى المعركة. لم تعد الرواية حكراً على جهة واحدة. مقاطع الفيديو التي توثق استهداف الآليات أو إصابة المواقع، باتت تنتشر بسرعة، وتفرض واقعاً يصعب تجاهله. في كثير من الحالات، وجدت المؤسسة العسكرية نفسها مضطرة للاعتراف الجزئي بعد الإنكار، أو لتعديل روايتها تحت ضغط الأدلة البصرية.
في المرحلة الأخيرة من المواجهة، يبدو أنّ التعتيم بلغ مستوى أكثر منهجية. لم يعد الأمر مجرد تأخير في إعلان الخسائر، بل إعادة توزيعها زمنياً، أو إعادة تصنيفها تحت عناوين غير قتالية مثل “حوادث سير” أو “ظروف عرضية”. وفي الوقت نفسه، تظهر فجوة لافتة بين ما تستقبله المستشفيات من إصابات وما يُعلن رسمياً، ما يعزز الشكوك داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
الأخطر من ذلك هو التعتيم على استهداف القواعد والمواقع الحساسة. فعندما تُضرب منشآت ذات طابع استراتيجي، يُصار غالباً إلى تجاهل الحدث أو التقليل من أثره، إلى أن تفرض الصور أو التسريبات واقعاً مختلفاً. وهنا، تتحوّل المعركة إلى سباق بين من يملك القدرة على الإخفاء، ومن يملك القدرة على التوثيق.
في المحصلة، لا يمكن فصل سياسة إخفاء الخسائر عن طبيعة الصراع نفسه. فالمقاومة، التي تعتمد على الاستنزاف وتراكم الضربات، لا تحتاج إلى إعلان رسمي لتثبت نجاحها؛ يكفي أن تفرض كلفة مستمرة. في المقابل، يسعى كيان العدو الإسرائيلي إلى منع تشكل هذه الصورة التراكمية، لأنها وحدها كفيلة بإحداث شرخ في وعيه الداخلي.
لكن هذه المعادلة تحمل في داخلها تناقضاً عميقاً. فكلما اتسعت الفجوة بين الواقع الميداني والرواية الرسمية، زادت احتمالات فقدان الثقة. ومع تراكم الأحداث، لم تعد الأسئلة محصورة خارج الكيان، بل بدأت تتردّد داخله: ماذا يحدث فعلاً على الجبهة الشمالية؟ ولماذا لا تُقال الحقيقة كاملة؟
هنا تحديداً، تتحوّل سياسة التعتيم من أداة لحماية المعنويات إلى عامل ضغط مضاعف. لأنّ الخسائر، مهما أُخفيت، لا تختفي. هي تتراكم بصمت، إلى أن تجد طريقها إلى العلن؛ إما عبر صورة، أو تسريب، أو حتى عبر غضب داخلي لا يمكن احتواؤه.
وفي لحظة ما، قد لا تكون المشكلة في حجم الخسارة بحدّ ذاته، بل في الفجوة بين ما عاشه الناس وما قيل لهم عنه. وعندها، لا تعود المعركة فقط على الحدود، بل داخل الوعي ذاته… حيث يصبح إخفاء الحقيقة أخطر من الحقيقة نفسها.