
بمعزل عن ما يشوب الديمقراطية الأميركية من عيوب دأب مفكّرون كثيرون على تشريحها، تستبطن الولايات المتحدة حساسية كبيرة تجاه «فكرة الملوك»، المتعارضة مع المبدأ الذي حملت واشنطن لعقود رايته. ومن هنا، سعى المشرّعون، تاريخياً، إلى سنّ تشريعات تقوّض قدرة الرئيس على التحكّم بقرارات بلاده المصيرية، ولا سيما الحروب، قبل أن تضرب الإدارات بتلك التشريعات، في غير محطّة، عرضَ الحائط، في ظلّ تعطّش مزمن إلى الحروب الخارجية وإراقة الدماء.
وإذ لم يفوّت «ملك» البيت الأبيض، في يومنا هذا، فرصة لاستخدام سلطته الرئاسية بشكل غير مسبوق، بعدما أمر، في تشرين الأول، «الحرس الوطني» بالدخول إلى المدن التي يديرها الديمقراطيون لقمع الاحتجاجات والمساعدة في إنفاذ قوانين الهجرة، ثمّ شنّ حملة قمع على الجماعات اليسارية والليبرالية، وصولاً إلى تنفيذ برنامج ترحيل جماعي، شمل إقدام عملاء فيدراليين ملثّمين، على نسق الأنظمة «الأمنية»، على تنفيذ مداهمات واحتجاز الأشخاص من دون اتّباع الإجراءات القانونية الواجبة، وليس انتهاءً بشنّ ترامب حرباً تفتقر إلى الشرعية والشعبية على إيران، فقد شهدت مختلف أنحاء الولايات المتحدة، السبت، آلاف التظاهرات غير المسبوقة، وذلك في إطار ما يُعرف بحركة «لا للملوك» الاحتجاجية.
وبعدما توقّع المنظّمون أن تشهد البلاد أكبر «يوم للاحتجاج السياسي في تاريخها»، قدّر منظّمو الحركة أنه فيما جذبت الجولتان الأُوليان من مسيرات «لا للملوك» أكثر من 5 ملايين شخص في حزيران، و7 ملايين في تشرين الأول، فإن ما لا يقلّ عن 8 ملايين مشارك شاركوا، السبت، في أكثر من 3 آلاف و300 حدث في الولايات المتّحدة وخارجها. ومثّلت مينيابوليس - سانت بول في ولاية مينيسوتا مسرحاً رئيساً للاحتجاجات، وذلك بعدما شهدت المدينة حملة صارمة على الهجرة شنّتها إدارة ترامب، وأدّت إلى مقتل رينيه جود وأليكس بريتي على أيدي عملاء فيدراليين.
وشارك في الاحتجاجات أعضاء في الكونغرس، من بينهم السيناتور بيرني ساندرز، والحاكم تيم والز، وبيجي فلاناغان، والمدّعي العام كيث إليسون، وغيرهم. كما قدّم خلالها عدد من الفنانين، من أمثال بروس سبرينغستين وجوان بايز وماغي روجرز وجين فوندا وموسيقيين آخرين، عروضاً مناهضة لسياسات حاكم الولايات المتحدة. وفي واشنطن العاصمة، سار بعض المتظاهرين إلى القاعدة العسكرية التي يقيم فيها ستيفن ميلر، مسؤول البيت الأبيض الذي يشرف على حملة الترحيل الجماعي، مطالبين برحيله.
واللافت، أنه وفيما كان من المتوقّع أن تشهد نيويورك ولوس أنجلوس وواشنطن وتوين سيتيز في ولاية مينيسوتا، احتجاجات واسعة النطاق، قدّر المنظّمون أن يأتي ثلثا المشاركين من خارج مراكز المدن الكبرى، في ما يمثّل زيادة بنحو 40% في مشاركة المجتمعات الأصغر مقارنة بالفعّالية الأولى للحركة في حزيران الماضي. وقال المنظّمون، في بيان على موقع «نو كينغز»، الجمعة: «من الحروب غير القانونية إلى العملاء الملثّمين في شوارعنا إلى رفع التكاليف ومحاولة السيطرة على انتخاباتنا قبل حدوثها، فإن تصرّفات هذه الإدارة لا تثير غضب المراكز الحضرية الزرقاء العميقة فحسب، بل إنها تتجاوز الخط الأحمر للأسر العادية في الضواحي أيضاً».
توقّع المنظّمون أن يأتي ثلثا المشاركين من خارج مراكز المدن الكبرى
ومن هنا، يصبح محور الاهتمام الرئيس، طبقاً لمراقبين، لا «عدد» المحتجين فقط، بل «مواقع احتجاجهم» أيضاً؛ إذ يقول المنظّمون إنه مع اقتراب الانتخابات النصفية في وقت لاحق من هذا العام، يشهد الحراك زيادة في عدد الأشخاص الذين ينظّمون الأحداث ويسجّلون للمشاركة في الولايات الحمراء «المؤيّدة للجمهوريين بشدّة»، من مثل أيداهو ووايومنغ ومونتانا ويوتا. وفي حين ساهمت «الضواحي»، سابقاً، في «حسم نتائج الانتخابات الرئاسية»، فهي تشهد، حالياً، «اهتماماً كبيراً» بالاحتجاجات، مثلما يحدث في مقاطعتَي باكس وديلاوير في بنسلفانيا، وإيست كوب وفورسيث في جورجيا، وسكوتسديل وتشاندلر في أريزونا. فعلى سبيل المثال، احتشد الناس بدءاً من مدينة نيويورك، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 8.5 ملايين نسمة وتُعدّ ولاية زرقاء صلبة، وصولاً إلى دريغس، وهي بلدة يقلّ عدد سكانها عن ألفَي نسمة في شرق أيداهو، حيث الولاية التي فاز بها ترامب بنسبة 66% من الأصوات في عام 2024.
وترجع الظاهرة المُشار إليها إلى أسباب عدّة، من بينها أن المتظاهرين في المدن الصغيرة يشعرون أن الحكم في واشنطن أصبح أقرب إلى «بلاط ملكي» منفصل عن همومهم، يُنفِق المليارات على «مغامرات خارجية»، في مقابل إهمال الاحتياجات المحلية. ويُضاف إلى ذلك، أن إغلاق مضيق هرمز، والقفزة التي أحدثها في أسعار الديزل وتكاليف الأسمدة، يجعلان الحرب على إيران، بالنسبة إلى المواطن في «الولايات الحمراء»، مرتبطة مباشرةً بارتفاع فاتورة البقالة وفشل المحاصيل الزراعية.
بالتوازي، أسهمت تصريحات صقور الإدارة، من مثل ليندسي غراهام، حول الإنزال البرّي في جزيرة «خارك»، في «صبّ الزيت على نار» احتجاجات الـ28 من آذار. وتجلّى ذلك في مشاركة واسعة للمحاربين القدامى في مناطق من مثل مارك مكاغي في أتلانتا، حيث اعتبروا أن «الدستور تحت التهديد»، رافضين رؤية جيل جديد يُضحّى به في الجبال الإيرانية من أجل أهداف غير واضحة، علماً أن عدداً كبيراً من المجنّدين الجدد في الجيش الأميركي يأتون من ولايات «محدودة»، معظمها «حمراء» أو «متأرجحة» تميل إلى اليمين، باستثناء كاليفورنيا، ما يعني أن فرصة الإقبال على التجنيد في الولايات «الريفية» تبلغ ضِعف نظيرتها في ولايات رئيسة كنيويورك، أو حتى أكثر.
وتجاوزت الحملة تلك، حدود الولايات المتحدة بأكملها، لتطاول أكثر من 12 دولة، خرجت فيها تظاهرات في وقت متزامن. وفي هذا السياق، يؤكّد عزرا ليفين، المدير التنفيذي المشارك لمجموعة «إنديفيزيبل»، وهي المجموعة التي تقود الأحداث، في مقابلة إعلامية، أن التظاهرات امتدّت أيضاً إلى بلدان في أوروبا وأميركا اللاتينية وأستراليا. ويشير إلى أن الدول ذات الأنظمة الملكية الدستورية تصف الاحتجاجات بأنها موجّهة ضدّ «الطغاة». وفي روما مثلاً، أطلق آلاف الأشخاص هتافات تستهدف رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي شهدت حكومتها المحافظة تدهوراً في شعبيتها، هذا الأسبوع، على خلفية اتهامات بتهديد «استقلالية المحاكم». كما لوّح هؤلاء بلافتات تعارض الهجمات الإسرائيلية - الأميركية على إيران، مطالبين بـ«عالم خالٍ من الحروب». وفي لندن، رفع المحتجّون على الحرب لافتات كُتب عليها «أوقفوا اليمين المتطرف» و«قفوا في وجه العنصرية».
ويأتي ذلك فيما يبدو أن أكثر ما يُكسِب ولاية ترامب الثانية طابعاً «ملوكياً»، هو تهميش الرئيس لقانون «سلطات الحرب» في عدوانه الأخير على إيران. ففي عام 1973، اعتمد المشرّعون على فلسفة جيمس ماديسون (أحد مؤسّسي الولايات المتحدة) - الذي اعتبر أن «الدستور يفترض ما يثبته تاريخ كلّ الحكومات؛ وهو أن السلطة التنفيذية هي الأكثر اهتماماً بالحرب والأكثر ميلاً إليها» - لإقرار القانون المُشار إليه، وذلك بهدف منع شخص واحد، أي الرئيس، من الاستفراد بقرار جرّ الأمة إلى صراع مدمر. وعندما أسقط الرئيس الأسبق، ريتشارد نيكسون، القانون، بـ«فيتو ملكي» عام 1973، عمد الكونغرس آنذاك، لأوّل مرة في تاريخ الحروب، إلى إبطال «فيتو» الرئيس وتمرير القانون رغماً عنه، في رسالة واضحة مفادها: «نحن لسنا رعايا، وأنت لست ملكاً». والرسالة هذه هي نفسها التي يبدو أن شرائح واسعة من الأميركيين، وشعوباً أخرى حول العالم، تريد اليوم إيصالها إلى ترامب.