
إذاً، هل تساءلنا يومًا كم من الأرواح التي تُزهَق في لبنان وفلسطين وإيران والعراق واليمن يتم تمويلها بأموالٍ تخرج من جيوبنا نحن؟ كم وجبة سريعة، أو كوب قهوة، أو اشتراك رقمي نعتبره من تفاصيل الحياة اليومية، بينما جزء من ثمنه يُعاد ضخه في آلة القتل الأمريكية الإسرائيلية؟ هل تستحق اللذة اللحظوية مشاركة مؤكدة في دم ضحايانا وشهدائنا؟
الاستهلاك لم يعد عادة يومية بل موقفًا أخلاقيًا يحدد موقعنا في الصراع
في زمنٍ لم يعد فيه الاستهلاك مجرّد عادة، بل موقفًا أخلاقيًا، بات السؤال الأخطر: هل نحن نُقاطع هذا الإرهاب أم نُموّله من حيث ندري أو لا ندري؟ وربما أكتب هذه الكلمات وأنا أدرك تمامًا ثمنها، فقد تعلّمت أن قول الحقيقة في وجه المصالح الكبرى لا يمرّ بلا تكلفة. في زمن تُقدَّم فيه «الحيادية» على العدالة، يكفي أن ترفع صوتك ضد الشركات المتواطئة لتجد الأبواب تُغلق في وجهك. ومع ذلك، لا ندم لأن خسارة وظيفة أو فرصة أهون من خسارة الموقف.
إن الشركات العالمية التي نستهلك منتجاتها يوميًا مثل ماكدونالدز، ستاربكس، كوكاكولا، بيبسي، جوجل، أمازون، ومِيتا لم تكن بريئة في أي يوم من الأيام. هذه الشركات، وغيرها من الشركات المدرجة في قوائم مقاطعة نظرًا لتورّطها في دعم آلة القتل الأمريكية الإسرائيلية ماليًا، سواء من خلال تبرعات مباشرة للمؤسسة العسكرية، أو دعم حملات إعلامية وتكنولوجية لتبرير الجرائم ضد المدنيين.
تُحقّق هذه الشركات من الأسواق العربية والإسلامية نسبة 20% من أرباحها الإجمالية حول العالم بناء على تقديرات التقارير المالية المرتبطة بنسب مبيعاتها في العالم، أي ما قد يقدر بعدّة عشرات من المليارات من الدولارات سنويًا، (تصل بعض التقديرات لحوالي 65 مليار دولار سنويًا بحسب معدلات المبيعات المعلنة بين عامي 2020 و2024).
أما في لبنان، فتتجاوز مبيعات هذه العلامات التجارية 400 مليون دولار سنويًا، موزعة بين الفنادق والمطاعم والمتاجر الكبرى والتسويق الإلكتروني. وفي بلد يكافح فيه المواطن لتأمين احتياجاته، تُصبح هذه الأرقام مرعبة لأنها تعني أننا، بعرقنا وأموالنا، نُعيد تمويل دولةٍ تعتبر لبنان ودمنا وجغرافيتنا أهدافًا مشروعة في أي لحظة.
على سبيل المثال، في العالم العربي والإسلامي، تُقدّر أرباح «كوكاكولا وبيبسي» بعدة مليارات دولار سنويًا، بينما تعتمد «غوغل» و«مِيتا» على المستخدم العربي لبناء ما يقارب 12 % من دخلها الإعلاني العالمي بحسب التقديرات الإستهلاكية. فالمستخدم العربي يشاهد الإعلانات ويدفع الأرباح لمنصات تستعملها إسرائيل لتسويق دعاياتها الحربية وتبرير جرائمها.
ماذا لو قررنا المقاطعة فعلًا؟ دعونا نتخيّل تأثير ذلك للحظة واحدة. لو خفّض المستهلكون في لبنان فقط مشترياتهم من هذه الشركات بنسبة 20٪، سينعكس ذلك بخسائر قد تفوق 80 مليون دولار سنويًا، بحسب تقديرات تقريبية! ولو أقدمت الشعوب العربية والإسلامية على الشيء ذاته، حينها ستتراجع أرباح هذه الشركات بمبالغ تراوح من 15 إلى 20 مليار دولار سنويًا.
تاريخيًا، أثبتت المقاطعة فعاليتها. فالمقاطعة الدولية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا كانت أحد الأسباب الأساسية في سقوطه. اليوم، يُمكن أن يكون التأثير نفسه، بل أشد، لأن اقتصاد هذه الشركات قائم على ولاء المستهلكين لا على استغلال الموارد فقط. وهنا تقع المسؤولية الإنسانية والأخلاقية والشرعية على كل فرد في هذا المجتمع. فالقوة ليست في البنادق فقط؛ وإنما القوة الحقيقية توجد في وعي الشعوب واختياراتها اليومية.
إن المقاطعة ليست كراهية ولا عزلة اقتصادية، بقدر ما هي موقف أخلاقي جماعي يقول: «لن نمول قتَلَتَنا». فكل ليرة ننفقها إما أن تكون رصاصة في صدر طفل، أو لبنة في بناء وطنٍ عادل. حين يشتري أحدنا من شركة تدعم إسرائيل، هو لا يقوم بعمل عادي، بل يُساهم، ولو جزئيًا، في استمرار مأساةٍ عمرها أكثر من 78 عامًا، منذ نكبة 1948 مرورًا بمجازر 1982 و2006 ووصولاً إلى الإبادات المتكررة ضد فلسطين ولبنان اليوم.
كل ليرة ننفقها قد تتحول إلى مساهمة غير مباشرة في آلة الحرب
ليس المطلوب منا أكثر من أن نُعيد التفكير. أن نفهم أن الكلمة «لا» أمام منتج ما هي شكل من أشكال المقاومة.
المقاطعة ليست مجرد مقاطعة، إنها وعيٌ جماعي يرفض تحويلنا إلى شركاء في الإبادة.
من بيروت إلى صيدا، ومن طرابلس إلى صور، ومن البقاع إلى الجبل، نحن جميعًا نشارك في معركة واحدة عنوانها: الكرامة والعدالة الاقتصادية. وفي كل مرة نرفع فيها كأس مشروب غازي أو نفتح تطبيقًا داعمًا للاحتلال، نحن نسمح له بالاستمرار. وكل مرة نُقاطع، نحن نُضعف بنيته الاقتصادية، ونُرسل للعالم رسالة صارخة: إن أمريكا ليست فقط الشيطان الأكبر، وإسرائيل ليست فقط عدوًا عسكريًا، إنها دول مارقة لا تحترم قانونًا ولا إنسانًا، وكل من يدعمهما يتحمل المسؤولية الأخلاقية.
وفي النهاية، دعوني أقولها بوضوح: المعارك لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالوعي أيضًا. ووعينا الاقتصادي هو السلاح الذي تخشاه إسرائيل أكثر من أي شيء آخر.