
الاخبار
بينما رفع حزب الله من سقف عملياته العسكرية ضد قوات الاحتلال في كل المناطق الجنوبية الحدودية، فإن استراتيجية المقاومة بتوجيه صليات صاروخية مستمرة ضد المستوطنات في المناطق الشمالية تبدو في مرحلة تصعيد أيضًا، حيث تنجح المقاومة في دفع السكان هناك إلى الخروج من بيوتهم ومن المستوطنات والتوجه إلى أماكن أبعد جنوبًا.
وبحسب المؤشرات الميدانية، تتزايد «الهجرة الصامتة» للمستوطنين من مستوطنات الشمال، يقول مراسل الإذاعة الإسرائيلية، إنّما بصمت وبعيداً عن الإعلام. وفي الوقت نفسه، يطلب رئيس حكومة الكيان بنيامين نتانياهو من رؤساء مستوطنات الشمال أن يفعلوا كلّ ما يمكن لمنع المستوطنين من المغادرة.
فالمقاومة تركز على وتيرة قصف تستهدف بشكل خاص مستوطنة كريات شمونة، التي تعد من أكبر المستوطنات الشمالية، وهي تقع في إصبع الجليل، بينما يتركز القصف في القطاع الغربي على مستوطنة نهاريا الساحلية، وإن كانت الأخيرة تعد أقل كثافة من ناحية عدد السكان وأقل اتصالًا بالدورة الاقتصادية للشمال.
الإخلاء الطوعي يتسارع وسط انهيارات «معنوية» عند المستوطنين
وبينما ترفض حكومة العدو حتى اللحظة الأخذ بمطالب مجالس المستوطنات بإعلان الإخلاء الرسمي لنحو 25 مستوطنة قريبة من الحدود مع لبنان، فإن الأصوات ترتفع وبدأت وسائل الإعلام تشير إليها، علمًا أن هناك تعتيمًا كبيرًا على مجريات المواجهات الميدانية، إلى حدود أن الإعلاميين صاروا يتلقون رسائل نصية فورية على هواتفهم تطلب منهم عدم الإشارة إلى نتائج أي عملية قصف من جانب حزب الله، بينما طُلب إلى مراكز الشرطة والإسعاف عدم تقديم معلومات حول الأهداف التي تُضرب أو حول عدد الإصابات وأنواعها.
وتناولت وسائل إعلام العدو الملف الحدودي مع لبنان، لجهة أن على الرغم من «أن الحكومة لم تقرر بعد بدء الإخلاء الرسمي من الشمال، لكن الذي يحصل عمليًا هو أن السكان يُغادرون بأنفسهم دون خيار، وقد غادر عدة آلاف كريات شمونة، بينما يستعد آلاف آخرون للمغادرة خلال هذا الأسبوع»، وبحسب وسائل الإعلام نفسها فإن الوضع في كريات شمونة «بات صعبًا، وأن هناك حالة انهيار معنوي عند السكان وتعطيلًا لخدمات الحكومة».
ونقل مراسل صحيفة «يديعوت أحرونوت» في تلك المنطقة أمس أنه: «حتى بعد أسابيع من وابل إطلاق النار، والجرحى، والدمار والخراب لمدينة ورمز على الحدود مع لبنان، لم يجد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من المناسب أن يرفع سماعة الهاتف لأفيخي شترن، رئيس بلدية كريات شمونة، ولا أن يتظاهر حتى بالاهتمام».
لعلّ أعلى الأصوات التي تتكلم وضع مستوطنات ومستوطني الشمال هو رئيس بلدية كريات شمونة القريبة من الحدود اللبنانية، أفيحاي شتيرن، والذي يقول:
«لا يرسل جندي إلى المعركة من دون سترة واقية، أليس كذلك؟ فلماذا تضعون المواطن في الجبهة بلا حماية؟ هذا هو الحد الأدنى، برأيي، الذي يجب أن تقدمه الدولة لمواطنيها: أن توفر لنا الأمان، لقد فشلتم.
لدي طفلة عمرها سنتان وعشرة أشهر، وأضطر لإخراجها لوضع يستمر ساعتين داخل الملجأ، وأنا أتنقل معها بهذه الطريقة في كل مرة، هكذا يعيش سكاننا، هل يعرف أحد منكم ماذا يعني ذلك، وكيف يتم خلال ثوان؟ مع أطفال في المنزل، مع ذوي إعاقة، مع مرضى، مع كبار في السن.
كيف تتوقعون من شخص أن يصل إلى الملجأ خلال عشر ثوان؟ كيف يفترض بسائق الحافلة المسكين أن يوقف الحافلة، وينزل الركاب، ويصل إلى مكان محمي؟ لقد رأينا بالفعل إصابات في الحوادث الأخيرة، ويجب أن نقول إننا كنا محظوظين وخرجنا بأقل الخسائر. ماذا لو كانت الحافلة ممتلئة بالناس؟
قولوا لي، هل أنتم طبيعيون؟ ما نحن؟ أي نوع من المواطنين نحن؟ هل يجب علي أن أذهب إلى الحدود مع حزب الله لأوقف هذا الوضع، لكي أتمكن من إخراجهم إلى الأمان؟ كان من المفترض أن تقوم دولتي هي بذلك...».
من بقي في المستوطنات الشمالية، وهم أكثر ممن خرجوا ضمن إخلاءات طوعية، تتعالى أصواتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأبرزها منصة «إكس». هؤلاء المستوطنون لا يزالون في منازلهم في الشمال بسبب عدم وجود خطة إخلاء من قبل حكومة الاحتلال، إذ وضع المستوطنون الشماليون، خاصة في «كريات شمونة»، «نهاريا»، «مرغليوت» و«أفيفيم»، أمام خيار واحد منذ بدء الحرب، وهو النزول إلى الملاجئ.
«لا يمكننا البقاء هنا...على الحكومة التحرك»، كان هذا منشورًا لأحد المستوطنين في «نهاريا»، اتهم فيه حكومة بنيامين نتنياهو بالإهمال لمستوطنات الشمال، قائلاً إن «هذا ليس جديدًا عليها، والحرب الفائتة مع حزب الله لم تكن أفضل حالاً بالنسبة للمستوطنين، لكن هذه الحرب يبدو أنّها كانت مفاجئة للمعنيين في إسرائيل الذين اهتموا بتل أبيب ومحيطها وأهملوا باقي المستوطنات، خاصة الشمالية».
باتت ساعات الليل تساوي أوقات الرعب بالنسبة للمستوطنين في الشمال، فما أن يحلّ المساء حتى يبدأ الصراخ على وسائل التواصل الاجتماعي نتيجة اشتداد القصف من لبنان، فمنشوراتهم تصف المستوطنات بـ«مدن الأنوار» جراء صواريخ المقاومة. والغالبية العظمى منهم تسأل الحكومة: «إذا كنتم تريدون منا الصبر لأن المعركة تاريخية بحسب تعبيركم، ألا يجدر بكم أن تكونوا جاهزين على جميع الأصعدة لخوض هذه المعركة؟»، في إشارة إلى الإهمال الكبير فيما يتعلق بأمور النزوح والخدمات وتأمين احتياجات المستوطنين.
«الشمال ينهار»، هذه العبارة الصريحة تكررت في أكثر من منشور لمستوطنين يقطنون في الشمال، الذين دعوا الحكومة ومسؤوليها إلى التوجه شمالاً والحضور شخصيًا لمعاينة أحوال المستوطنين والأضرار التي نجمت عن صواريخ حزب الله، والتي أوقعت قتلى وجرحى يرفض الإعلام الإسرائيلي الكشف عنهم، كجزء من حملة تعتيم إعلامي كبرى على كل ما يتعلق بالأضرار داخل الأراضي المحتلة.
وفي السياق، يتهم المستوطنون الشماليون الحكومة الإسرائيلية بالفساد، حيث جاء في إحدى التدوينات لمستوطن من «كريات شمونة»: «رئيس بلديتنا يشير إلى أن بنيامين نتنياهو وحكومته لا يولون اهتمامًا له ولا لسكان مدينته. من منظورهم، لا يهم إذا فقد 10 أشخاص حياتهم يوميًا. الأولويات هي المال والفساد».
وباعتراف رئيس مستوطنة «مرغليوت» الحدودية، إيتان دافيدي، فإن هناك حالة عامة من التذمر بسبب ممارسات الحكومة وإهمالها، حيث يقول: «كم جولة، نحن نقاتل من أجل البلاد، لكن لا توجد دولة تساندنا. لقد دمرتم كريات شمونة، دمرتم مستوطنات السياج، دمرتم كل شيء بالفعل. ماذا تفعلون؟ إما أن تقولوا إنكم غير قادرين على التعامل مع هذا الحدث وتتركونا، أو أن تفعلوا اللازم الآن».
في غضون ذلك، بدأ قسم من الإعلاميين العاملين في الأرض المحتلة يعبرون عن «ضيقهم» من تشدد الرقابة العسكرية على أخبار المواجهات مع حزب الله في داخل الأراضي اللبنانية أو على نتائج عمليات القصف على الداخل المحتل.
وفي رسالة له من تل أبيب، قال مراسل قناة «العربي» أحمد الدراوشة إن هناك شيئًا مختلفًا عن الحرب السابقة، سواء لجهة عدد عمليات حزب الله الذي يتجاوز المعدل اليومي للحرب السابقة، كذلك بشأن الأنباء عن الإصابات. وقال إن مستشفى رامبام في حيفا قال إنه تعامل مع 30 إصابة بين الجنود، فيما قال موقع والا إن العدد أكبر. وأضاف المراسل نفسه أن «جيش الاحتلال يتكتم بصورة كبيرة عن أعداد الإصابات بين الجنود، وأنه يعتمد سياسة مختلفة عن الحرب الماضية، عندما كان هناك بيان يومي عن الإصابات ولو كانت غير دقيقة، لكن اليوم لا تصدر أي بيانات تساعد الصحافيين على فهم ما يحصل».
مراسلون من تل أبيب: رحلات يومية لمروحيات نقل الجنود المصابين
وقال الدراوشة إن «التكتم يحصل فيما يقول مواطنون من سكان تلك المنطقة إنهم يراقبون حركة مستمرة للمروحيات التي تنقل الإصابات من الشمال إلى مستشفيات مختلفة في الشمال، وأن عدد رحلات المروحيات اليومية لا يقل عن ثلاثة»، مشيرًا إلى أن منصات وإعلامًا «بدأ بالحديث عن إصابة عشرات من الجنود» في جبهة لبنان.
وكانت القناة 15 أمس قد تحدثت عن إصابة ضابط بجيش الاحتلال من اللواء 401؛ جراء إطلاق صاروخ مضاد للدروع جنوب لبنان، بينما نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر عسكرية أن «حزب الله حاول إسقاط مروحية قتالية إسرائيلية في سماء لبنان، لكنه فشل في تحقيق الهدف».