❗خاص ❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
بلية أوقع فيها ترامب نفسه، بل أوقعه فيها نتنياهو وبعض الخليج، ترهيباً وترغيباً، لدرجة أقنعوه أن إيران تحتاج لأقل من ٤٨ ساعة لتكون في كتاب التاريخ، ذكرى لدولة كانت تدعى إيران ولحقبة حكم ولاية الفقيه، التي ظلت طيلة أربعين عاماً، سداً منيعاً في وجه طغاة الأرض أينما حلو، ورسموا لترامب أن نهايتهم لا تحتاج سوى أيام قليلة بعد اغتيال المرشد، ووقوع البلاد في فوضى تحركات مقصودة أو غير مقصودة، تكون معها نهاية الحكم الفارسي، الذي ظل قابعاً طيلة أربعة من العقود، على مشاريع إسرائيل التوسعية ومشاريع بعض العرب الممتدة من أكثر من ألف سنة، محاولة إعادة نظام الخلافة الإسلامية، وفق منظورهم لا وفق منظور النبي محمد وتعاليمه، بل خلافة تستمد من ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب وباقي شيوخ الفتنة والتطرف، مساراً وترسم طريقاً للوصول .
بعد جهد جهيد، واختلاف في إغراء بدولارات يعشقها ترامب، او فضائح إبستين التي تهز عرشه وتزلزل حكمه وبعد اقتراب من الوصول إلى اتفاق بين أميركا وإيران على البرنامج النووي، ولما شاهد الماكرون قرب الوصول إلى اتفاق ينهي أزمة تعيشها المنطقة منذ عقود وتوقف اقتتالاً لا طائل منه، سارع ذلك البعض الخبيث إلى البحث عن نقاط تجعل من ذلك الاتفاق بحكم الملغى، وحينما عدموا الوسيلة، مارسوا ضغوطهم وترغيبم موقعين ترامب بخطيئته الكبرى التي ربما تكون القاتلة له، ودفعوه لتوجيه ضربات نحو ايران، واغتيال المرشد، متأملين معها نهاية الحكم الإيراني خاصة بعد اغتيال المرشد وكبار القادة، ودفع إيران إلى أتون النهاية، عبر مظاهرات واقتتالات، يليها مجيء من جهزوه ليكون حاكماً لاحق .
في إطار التخطيط كانت كل التحضيرات قد اكتملت، ولقيت ساعة الصفر التي تغير كل شيء وتسير بما هو مخطط له . بدأ التنفيذ عبر سلسلة غارات طالت اغتيال المرشد وبعض القادة وأهداف اخرى، ظناً منهم أن النهاية حانت وتمت العملية بنجاح . لكن من سوء حظهم وسوء تقديرهم، فوجئوا برد فعل ايراني فاق كل التوقعات، لناحية الرد الذي شمل معظم الأهداف الأميركية في المنطقة وأهدافاً إسرائيلية إلى تلاحم شعبي مذهل بين الموالة والمعارضة، وسرعة اختيار مرشد بديل للمرشد الشهيد، لم يكن بعيداً بل كان من نفس البيت ونفس البيئة، وبدأت رسائل الغضب وردود الفعل، تنتشر في أرجاء المنطقة حمماً لا تتوقف، بدلت معها كل مخططات الأعداء، وأوقعتهم في حيرة وذهول نتيجة رد لم يكن متوقعاً بهذه القوة .
لا تزال الردود الإيرانية تذهل كل المراقبين عن قوتها، كفاءتها وحجمها، وارتفعت سقوف التفاوض لدى إيران التي أبلغت الجميع بأن لا توقف للحرب قبل انسحاب كامل القوات الأميركية من المنطقة، واعتراف بالهزيمة، ودفع تعويضات عن كل ضرر حالي أو سابق تجاه ايران، ورغم تدخل الكثيرين من المفاوضين أصر السيد مجتبى الخامنئي على الشروط، ومعه كل فئات الشعب الإيراني ومع ازدياد في القدرات وتنكيل غير مسبوق بالقوات الأميركية في المنطقة كذلك بربيبتها اسرائيل .
رغم كل المناشدات التي وجهها ترامب والاستغاثات التي أرسلها نتنياهو، لم تؤتِ أُكلها ولم تخفف من حدة الاقتتال الدائر، الذي يلحق الأذية والدمار، إلى أن وصل ترامب إلى طريق شبه مسدود وضعف في الخيارات رغم مكابرته الإعلامية واختلاقه قصصاً لا تعكس الحقيقة، ولم يعد أمامه اليوم سوى خيارات قليلة، إما الإذعان بالأمر والقبول مكرهاً على تفاوض وفق كل ما جرى أو الذهاب بعيداً بعدوانه حتى اقتناص مردود يعود عليه بالنفع في التفاوض المقبل .
بداية حاول ترامب مع الجميع، أوروبيين وعرب، على دفعهم الدخول معه مقابل الاستبسال الايراني، ودفعهم المشاركة في فتح مضيق هرمز الذي يشكل رئة العالم اليوم وقد قامت إيران بإغلاق هذه الرئة، غير أن طلباته لم تلق نتيجة حتى اليوم ليزيد الخناق عليه، وتقل الخيارات .
ضاقت كثيراً خيارات ترامب ولم يعد أمامه إلا الرضوخ للتفاوض أو رفع العنف واستكماله، عبر محاولة دفع لبعض العرب بالغوص معه في وحول المعركة القائمة .
الخياران أحلاهما مر بالنسبة لترامب، فشخصيته ونرجسيته، لا تتقبل فكرة الاعتراف بالهزيمة، ودفع بعض العرب والخليج تحديداً لمحاولة الاشتراك العلني معه في الحرب الدائرة، وهو أمر أقرب للتحقيق، دونه عقبة اليمن التي تنتظر هكذا تهور خليجي، حتى تغرز أنيابها في كل ضعف في ذلك الخليج الذين خبروا البأس اليماني وتذوقوا مرارته مجتمعين .
إذن خيارات صعبة يعانيها ترامب اليوم رغم الادعاءات المتكررة بالتفوق الكاذب والذي تفضحه فعائل إيران حين كل ادعاء، فلا صواريخ تأثرت ولا دفاعات جوية انهارت ولم يتم الاستئصال أو تدمير أي يورانيوم بل هي كلها اكاذيب يختلقها ترامب لمحاولة تغيير النظرة الحقيقية التي باتت واضحة لدى الجميع، ولم تعد تلك الأكاذيب تنطلي على احد، وتزيد ترامب من الغرق في الوحول الفارسية شيئاً فشيئاً .
يعني أنه لم يعد أمام ترامب إلا الرضوخ والقبول بتفاوض مذل فرضته إيران ولم تتنازل في شروطه، أو السير مع بقية خليج في تصاعد عسكري ومحاولة إغراق دول الخليج بمواجهة مباشرة مع إيران .
في خيار التفاوض ذل كبير لشخص ترامب، وتحقير لعنجهيته الكاذبة، وفي خيار التصعيد، فهل يمكنه دفع الخليج للإشتراك العلني الى جانبه، ليكون باباً أمامه للانسحاب وإغراق العرب في ذلك المستنقع ؟ .
كما أسلفنا فإن خيارات ترامب باتت صعبة وفيها الهزيمة رغم إعلان الانتصارات المزيفة، ففي كلتي الحالتين هزيمة جديدة لترامب، إن بتفاوض وفق شروط تتمسك بها ايران، أو استمرار ودفع العرب للمواجهة المباشرة وبالتالي دخول اليمن في المعركة لتمريغ أنوف الخليج بوحل الهزيمة وذل الانكسار .
في المحصلة، خيارات ترامب ضاقت وهي سيئة في مجملها، ولم يعد أمامه إلا الذل والهزيمة وفق أي خيار قد يؤخذ .
ترامب لم يعد بإمكانه سوى إشراك دول الخليج في معركته، خاصة بعد امتناع الأوروبيين عن المشاركة، أو ابتلاع الخسارة والقبول بالاتفاق وفق الأوامر الإيرانية .
في كل الأحوال ففي كل الخيارات هزيمة وذل وبداية انكسار، ليكتب التاريخ لنا لاحقاً ما سنذكره جميعاً بأن دماء المرشد الشهيد السيد علي الخامنئي، غيرت كثيراً من الظروف، وأزاحت الكثير عن عروشٍ فرعونية استمرت لعقود .
إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً بإذن الله .
حمزة العطار