❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗
كتب حسن علي طه
لم يكن مشوارُ الحياةِ عندها إلا دربَ أشواكٍ.
رحل زوجُها، تاركًا لها أحدَ عشرَ كوكبًا، أكبرُهم ابنُ السادسةِ عشرة، فحملت العبء وحدها، ووقفت في وجه غدر الحياة قائلةً: بسيطة.
ربَّت أيتامَها، فكانت لهم أمًّا وأبًا، ومدرسةً في العاطفة والأخلاق ورضا الله. عوَّضت غياب الأب بفيضٍ من الحب والحنان، وكان شعارُها الذي لا يتبدّل: بسيطة.
كبر الأشبال، وما إن بلغوا مقتبل العمر حتى التحقوا بساحات الجهاد، فصار قلبُها طائرًا مهاجرًا لا يستقر في جسد؛
يُجرح هنا، ويُصاب هناك،
أدمته الجراح، وداواه الصبر والإيمان،
فكانت زينبُ قدوتها، وأمُّ البنينِ مثلها الأعلى.
ورغم النزف، لم تنكسر.
همست لله بكلامٍ يشبه عظمة الابتلاء: خذ حتى ترضى.
في آخر الحروب، كانت هناك…
لم تبخل، بل وزّعت قلبها قِطعًا، ونثرته على ثغور الأمة؛
أمّةٍ أثقلها الكسل، وأرهقها النعاس والتخاذل.
أسقطت عن نفسها حقّ الشكوى، واكتفت بأن تكون في صفّ الحق، بلا منٍّ ولا انتظار مقابل… وكيف لا، وهي بسيطة.
ذات صباح، جاءها خبر “سفر” أحد أبطالها، وفي عزائه قالت لي:
أنا أتعلّم منك الصبر، وأنا من فقد أحد أبنائي."
وبعدها بقليل، في عزاء أخيه، وقفتُ أمامها خجلًا…
لم آتِ معزّيًا، بل متعلّمًا:
كيف يتوضأ الإنسان بالصبر،
وكيف يُصلّي بالدم.
وقبل تمام ستة أشهر، كان الموعد.
في فجر عيد، سافرت إلى ميس، هناك حيث اودّعت شريك العمر محمود، وكانت تنتظر لقاء ما تبقّى من قلبها…
لكن غدر المحتل كان أسرع، فتحوّل اللقاء إلى مأتم.
حسنٌ، حسينٌ، ومحسن…
كالقمر في مراحله:
محاقٌ، ثم هلال، حتى يكتمل البدر.
أمُّ علي، ابنة عمّتي، سمّتها أمها “بسيطة”، فكانت حياتها على اسمها.
لم تطلب دنيا لاولادها، ولم تحلم بمناصب؛
بل قدّمت للأمة قِطعًا وأشلاءً من قلبٍ، في زمنٍ أكلت فيه الدنيا عقول كثيرين.
بسيطةٌ هي الحياة يا ابنة عمّتي…
لكنّكِ جعلتِها عظيمةً بالصبر،
كبيرةً بالعطاء،
وخَالدةً بالتضحية.
فكلُّ عامٍ وأنتِ أجملُ الأمهات.