المقاومة… فكرة وفطرة لا تُمحى بقلممي حسين عبدالله ❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗ ليست المقاومة كلمة تُدرج في خطابٍ رسمي، ولا
المقاومة… فكرة وفطرة لا تُمحى
بقلم:مي حسين عبدالله
❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗
ليست المقاومة كلمة تُدرج في خطابٍ رسمي، ولا مصطلحًا قابلًا للحذف أو التعديل تبعًا لتبدّل الموازين.
إنها، في جوهرها الأعمق، ذلك الرفض الفطري الذي يولد في الإنسان حين يُسلب حقه، وحين تُنتهك كرامته، وحين يُطلب منه أن يتعايش مع ما لا يُحتمل. هي ليست خيارًا بين خيارات، بل الحدّ الفاصل بين أن يكون الإنسان إنسانًا… أو أن يتنازل عن نفسه.
من هنا، لا تبدأ المقاومة من البندقية، بل من المعنى. من تلك اللحظة الصامتة التي يقرر فيها الفرد أو الشعب أن الظلم ليس قدرًا، وأن الاحتلال ليس واقعًا نهائيًا، وأن الكرامة ليست ترفًا يمكن تأجيله. وحين تتجذر هذه الفكرة، تصبح المقاومة امتدادًا طبيعيًا للوجود، لا فعلًا طارئًا عليه.
لكن الخطر اليوم لم يعد في القمع المباشر فقط، بل في ما هو أعمق وأكثر مكرًا: إعادة تعريف المعاني.
فلم يعد المطلوب إسكات صوت المقاومة بقدر ما أصبح المطلوب تفريغه من مضمونه، وتشويه صورته، وتحويله من تعبير عن الكرامة إلى عبء، ومن فعل تحرر إلى تهوّر، ومن ثبات إلى مغامرة غير محسوبة. وهنا لا تُهزم الجبهات بقدر ما تُهزم المفاهيم، ولا يُكسر الإنسان في ميدانه بقدر ما يُكسر في وعيه.
تلعب بعض وسائل الإعلام دورًا بالغ الخطورة في هذا المسار، إذ لا تكتفي بنقل الوقائع، بل تعيد صياغتها ضمن قوالب تُفرغها من معناها. تُقدَّم الكرامة كخطاب انفعالي، ويُسوَّق التراجع كعقلانية، ويُعاد تعريف الواقعية لتصبح مرادفًا للقبول بما يُفرض، لا لما يُستحق. ومع تراكم هذا الخطاب، تنشأ أجيال قد لا ترى في المقاومة إلا عبئًا، لأن صورتها شُوّهت قبل أن تُفهم.
وما يزيد هذا المشهد تعقيدًا أن هذا التشويه لا يأتي فقط من الخارج، بل يجد له أصداء في الداخل، حين تفقد بعض النخب ثقتها بذاتها، أو حين تعجز عن قراءة اللحظة خارج ميزان الخسارة المباشرة، فتتحول، عن قصد أو عن غير قصد، إلى جزء من خطاب يُبرر التراجع بدل أن يواجهه. لم تسقط القيم يوم اشتد العدوان، بل حين بدأ تبريره، وحين صار السؤال ليس كيف نواجه، بل كيف نتكيّف.
وفي موازاة ذلك، تبدو بعض الأنظمة وكأنها تنظر إلى المقاومة لا كضرورة تاريخية تنشأ من حاجة الشعوب، بل كحالة مزعجة تُربك حساباتها، لأنها تقيس الاستقرار بمعايير السلطة لا بمعايير الكرامة. وهنا ينشأ التناقض: شعوب تبحث عن معنى وجودها، وسلطات تبحث عن إدارة واقعها.
ومع ذلك، يكفي أن نعود إلى التاريخ لنفهم أن هذه اللحظة ليست استثناء. لم تعرف أي مقاومة في التاريخ توازنًا في القوة مع خصمها، ولم تبدأ أي تجربة تحرر من موقع التكافؤ. بل على العكس، كل التجارب الكبرى وُلدت في لحظات اختلال صارخ، حين بدا أن موازين القوة تميل بالكامل لصالح المحتل، ومع ذلك لم يكن هذا كافيًا لإنهاء الفكرة. لأن ما يُحسم في النهاية ليس حجم السلاح، بل قدرة الإنسان على رفض الخضوع.
كل انتصار بدأ من لحظة غير متكافئة. ولم تكن التضحيات يومًا تفصيلًا عابرًا في هذا المسار، بل كانت لغته الأصدق. فالأمم لا تُقاس فقط بما تحققه من نتائج، بل بما هي مستعدة أن تبذله دفاعًا عن ذاتها. وحين تعجز الكلمات عن تثبيت المعنى، يتكفّل به من يدفعون ثمنه بأرواحهم، لا بوصفه خسارة، بل بوصفه إعلانًا أن هذه الأرض، وهذه الكرامة، تستحقان أن يُدافع عنهما.
من هنا، لا يمكن اختزال المقاومة في نتائج آنية، ولا محاكمتها بمنطق الربح والخسارة السريع، لأنها في جوهرها فعل تراكمي، ينهك العدو بقدر ما يُعيد بناء الذات. وقد لا تُحدث كل مقاومة تغييرًا فوريًا في الواقع، لكنها تمنع تثبيته كأمر نهائي، وتُبقي باب التاريخ مفتوحًا على احتمالات أخرى.
ولهذا، فإن أقل ما يمكن فعله ليس خوض المعركة بالنيابة عن المقاومين، بل الامتناع عن نزع المعنى عن فعلهم. أن لا نكون شركاء في تشويه صورتهم، ولا في تسخيف تضحياتهم، ولا في إعادة تعريف الكرامة بما يناسب لحظة ضعف عابرة. بل أن يُسلّط الضوء على ما يحققونه، وعلى ما يثبتونه، وعلى ما يفتحونه من أفق، حتى لو كان ذلك الأفق لا يُرى كاملًا بعد.
قد تُحاصر المقاومة، وقد تُستهدف، وقد تُحذف من البيانات، وقد تُشوَّه في الخطاب … لكنها لا تُمحى.
لأنها ليست كلمة. بل معنى.
وليست خيارًا. بل فطرة.
وليست حدثًا عابرًا في زمنٍ مضطرب…
بل إحدى الطرق القليلة التي تثبت بها الشعوب أنها ما زالت حيّة.
مي حسين عبدالله
#المقاومةفكرة
#معنىالكرامة
#وعيلااستسلام
#ميحسينعبدالله
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها