ليبانغيت
عندما تدخلُ حربًا مع عدوِّ الإنسانيّة، المُسمّى إسرائيل، لا يُتاح لك كثيرُ الخيارات،
فأنتَ هنا منحازٌ إلى بلادٍ تحترق، إلى مدنٍ عاندت ملحَها، إلى ضاحيةٍ تلفظُ هندساتها وعمرانها، إلى شعبٍ ينتشرُ على جنبات الطرقات، يلتحفُ شواطئَ وأرصفةً ويقع بين بحرٍ وبركان.
تنحازُ إلى ساعاتٍ مرّت وأنتَ محاصرٌ بين مدينةٍ وضواحيها، ولا تلقى دولةً حتى لتنظِّمَ للناس حركة العبور.
من حقِّكَ أن تُبدي الرأي والعتب والسؤال، وأن تقول غدًا أو الآن: لماذا قرّرنا القتال؟
ديمقراطيّةُ شعبٍ نشأ على الحريّات، ولا تحدُّه القيودُ حتى ولو كانت في صلب العقيدة، لن تقف حاجبًا أمام أسئلةٍ عفّرت الرأس منذ لحظة فكِّ الحداد المقاوم.
كلُّنا او بعضنا، تكاثرَ في باله ألفُ سؤالٍ وسؤال:
لماذا نحن؟
لماذا تعلّقنا على شبكة إيران؟
كيف دخلنا متاهةً بلا استئذان، تركنا شعبًا يصارع أحزانَه وحدَه بلا شبكة أمان؟
وعندما تصطدمُ الأسئلة وتنفجر في رأسك كصاروخٍ عنقودي، أو تلتفُّ حول عنقك كخرائطَ مُعلَّمة بالأحمر القاتل، وتشاهدُ بقهرٍ مكرَّر ومكرٍ معجَّل كيف ينتقمُ عدوّك منك باقتلاعك إلى اللامكان، بضرب بنيانك وبلادك وقتل أولادك في ليل، في ملاحقتك كوجود، في إبادتك على جناح السرعة بعد أن كان يفعلها بطيئًا…
تصطفُّ في مكانك الأول، في قرنةٍ تشاهدُ من زواياها كلَّ إرهـ اب عدوّك، وقدرته على التدمير، والزوال والاقتلاع من الجذور.
تساءَلْ اليوم وبالأمس وغدًا لماذا أنا ورقةٌ حرّكها “الدم الزاكي”،
جادِلْ وعانِدْ وتصدَّ لكلِّ أشكال التبعيّة، وحرِّر عقلك من أيِّ صدام،
لكن تذكَّر أنك الآن تحت عصفٍ يشتدُّ على شعبك.
واسترجع ْانه مِنْ هنا بدأت الرواية قبل سنين.
من هنا انطلقت خارطة محمّد العبدالله وكلماته عندما رسم بوّابةً للوطن وقال:
يحملُني الآن دمُ الشهداء،
إنهم لا يتعبون،
يجيئون من الجهة الواضحة،
من الخبز والشمس والزمن المستقيل،
يعطون للوقت طعمًا ورائحة،
ويدقّون في الغموض العظيم ويشتعلون،
ويشتعلون،
شمعة شمعة.. تُطفئُ أحزانَها الروح،
وتتّخذ الأرضُ أسماءَهم…
ولو كان لابن العبدالله أن يستكمل خارطةَ البلاد،
لدقَّ أيضًا أجراسَ مقيمينَ على أرض الوطن،
يدَّعون منذ سنين شراكةً وطنيّة، لكنهم يقيّدون اليوم هذه الشراكة بمراسيم َبلديّة، بعنفوانٍ مصطنع يتشفّى بقهر الناس.
وكتب في طريقه عن الكَتَبَة الذين يبيعون الكلمة َ بالمزاد ، يقهرون أقلامَهم وينفجرون غضباً فينا ، يحاسبون الآن .. ويرفعون مشانقَ وأختاماً ويعتقدون ان الله منحهم صكوك َ غفران.
ما اسهل َ الرجم ، وما اصعبَ وصف المشهد الذي يتعدّْل في كلمات جوزيف حرب اذا ما قال:
شعبك سيف معلّق عَ خصر بيروت.. يا وطني
جبلَك حقّ، والحقّ ما بيموت.. يا وطني.