حمزة العطار
رغم أنه كان مستبعداً دخول الولايات المتحدة الأميركية في صدام عسكري مع إيران إلا أن الإلحاح الصهيوني الذي وصل إلى حد الابتزاز ولا تزال فضائح ابستين تشهد من جهة، وبعض الاغراءات لبعض الخليج، التي كانت تطمح لتغيير النظام بسرعة، جعلت ترامب ينزلق إلى أتون المواجهة العسكرية ظناً منه أنه يستطيع تغيير نظام الحكم الإيراني خلال أيام وهو ما قد أكده له نتنياهو أن النظام يمكن أن يسقط خلال ٤٨ ساعة . نتيجة كل ما تم ذكره، أضف إلى النرجسية الترامبية وحلمه بقيادة الكون بأسره، جعلت منه عبداً طيعاً لرغبات نتنياهو وبعض خليج، لكن لم تجري الرياح كما اشتهت سفن ترامب، ليفاجأ بعصف انفجارات نسفت أحلامه وهي متابعة في نسف الكثير، ربما يكون مجلس التعاون الخليجي، من أبرز المتأثرين بهذه الحرب .
كيف يعقل ذلك ؟ وهل هي تمنيات أم وقائع تجري ؟
المتابع لاحداث ما يحصل يجزم بإقتراب انهيار وشيك لإمبراطورية الخليج حالها كحال نتنياهو وترامب في المرحلة اللاحقة ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال سرد بعض الأحداث وربطها بالمتغيرات والتتائج .
بداية، بعد أن كان ترامب معروف عنه بأنه التاجر الفذ وبعد أن استُبعدت فرضية المواجهة العسكرية مع إيران وبعد أن شعر المتضررون من هدوء كان ليحصل من نتنياهو تحديداً وبعض الأمراء الخليجيين الذين أدركوا خطورة أي اتفاق ربما يحصل وبعد استشعارهم بخطر التوسع الفارسي، كان لا بد من نسف هذا التقارب وإبعاد أي سبل تفاهم، وهو ما حصل، عبر ابتزازات خرجت للعلن من خلال فضائح ابستين وما لحقها من كوراث لو انها تتابعت لأودت بإضطرار الرئيس الأميركي نحو الاستقالة، أضف إلى مغريات كبيرة قدمها أحد أمراء دول الخليج، وبعد احساس ترامب بالقدرة السريعة على تغيير النظام الإيراني أسوة بفنزويلا، وضمانات من نتنياهو أن هذا النظام لن يستطيع الصمود أكثر من ٤٨ ساعة بعد إخراج المرشد الإيراني من دائرة المواجهات من خلال اغتياله والتسويق المبكر لخليفته المفترض عبر أحد المعارضين في الداخل أو عبر محمد رضا بهلوي الخليفة المفترض .
جراء الاصرار الخليجي والصهيوني، بدأت العملية عبر اغتيال المرشد الإيراني في وقت كانت المفاوضات بين الأميركيين والايرانيين تسير في اتجاه رغم بطئه لكنه صحيح وسيوصل إلى رسم اتفاق بينهما .
الإستهداف الأميركي الذي حصل والذي أدى إلى عملية الاغتيال والرهان على تحركات داخلية مناهضة للنظام القائم موجودة أو معمول عليها حرك فتيل الحرب بعد أن تم المس بقداسة الولي الفقيه وما يعنيه هذا الموقع، لتتبدل أحلام التحرك الذي كان يُنظر إليه، وتتلاشى احلام الجميع بتحقيق أي تغيير، أضف إلى صمود اسطوري إيراني، شعباً وقيادات عسكرية، وإلتفاف الجميع حول شخص الولي الفقيه وأفكاره رغم رحيله .
صدمة سببتها إيران لجميع الذين راهنوا على التغيير وفي مقدمتهم نتنياهو الذي كان يمني النفس يإقتراب النهاية لكن وكما أسلفت فلم تجرِ سفنه أيضاً في مسار الرياح بل انعكست تخبطاً واضحاً ودماراً غير مسبوق رغم كل محاولات التكتم الإعلامي عما يجري في الداخل الإسرائيلي .
الرد الايراني تمثل يإستهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، وهو أمر سهل المنال نتيجة الترسانة الصاروخية الهائلة والمتطورة والمدمرة التي تملكها ايران، أضف إلى إغلاق ممر أساسي وهم وهو مضيق هرمز الذي يعتبر الشريان الذي يروي الغرب إضافة إلى نقاط قوة لا تزال في جعبة الإيرانيين .
عبر مضيق هرمز تستفيد دول الخليج من ٦٠ بالمئة من كل ما تحتاجه ولكم أن تتخيلوا قدرتهم على الصمود في ظل اغلاقه، هذا ولم نذكر بعد استهداف أي مُحليات ماء موجودة، فدول الخليج تعتمد بنسبة ٩٠ بالمئة على تلك المُحليات ولا تقوى على العيش أكثر من أسبوعين حال استهداف هذه المحليات على وجه التحديد السعودية .
ولا ننسى الإسراف الهائل في منظومات الدفاع الجوي أمام الصواريخ الإيرانية التي تثبت نجاحاتها وفعاليتها واستمراريتها أمام الشح الحاصل في أنظمة الدفاع الجوي .
نقطة مهمة وجوهرية أيضاً أن الجيش الأميركي خصوصاً في العقدين المنصرمين، يعمل على البروباغندا الإعلامية ويحقق النصر الإعلامي الذي يجعله قادراً على تحقيق الانتصارات بعكس إيران التي ومنذ انتصار الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ بنيت على الحاجة للقدرة العسكرية والتي خاضت غمار تجاربها منذ الحرب الإيرانية العراقية وما تلاها وحتى اليوم، إن بشكل مباشر أو عبر اذرعها في المنطقة، وهو ما كان ينقل الخبرات والكفاءات العسكرية اللازمة لها .
إذن بالمحصلة نصر ساحق تحققه إيران مقابل هزيمة مدوية تلاحق أميركا مقابل اغلاق أبواب الحوار الإيراني وهو أمر يصعب المهمة عليها، وبالتالي لم يعد بإمكانها سوى أمر من أمرين حتى تستطيع البقاء في دائرة التنافس على الصدارة الدولية، وإلا فإن الصعود الصيني السريع، والانتظار الروسي لأي انكسار أميركي سيكون حاضراً لمحاولة قيادة العالم .
ما هما الوسيلتان اللتان بقيتا في جعبة أميركا للخروج من النفق الذي وضعها فيه نتنياهو ؟
الحقيقة، لم يعد بمقدور أميركا سوى خيارين لا ثالث لهما وأحلاهما مر، إما العمل العسكري المباشر عبر استقدام قوات أميركية ودفعها نحو احتلال إيران وتغيير ما تشاء تغييره فيها وهو أمر صعب المنال إن لم نقل مستحيلاً، نتيجة ما ذكرناه سابقاً أضف إلى القدرات البرية الهائلة لدى إيران والانتشار الجغرافي، ناهيك عن حلفاء كثر في المحور ، وهو ما قد يزيد السوء سوءاً تجاه أميركا . يبقى الخيار الآخر وهو الأقرب إلى التحقق من خلال العمل على إعادة فتح قنوات التواصل مع الإيرانيين والتضحية ببعض الخسائر، ربما نتنياهو واحد منها، وربما أحد الأمراء الخليجيين أو بعضهم، ريثما يتسنى لها العودة إلى مصافي الدول التي تقود العالم، غير ذلك صدقوني والتاريخ سيشهد بأن خسارة فادحة ستلحق بأميركا وبعض الخليج أو ربما كله، لن يكون أولها انسحاب كل القواعد الأميركية في المنطقة، وخسارة حلفاء خليجيين كثر .
كلامي لا ينبع من تمنيات وأحلام، بل هو دراسة معمقة لما وصلت به حال ترامب وحلفائه، بعد أن أغرقه نتنياهو بالوحل الإيراني .
أيام تمر وأحداث تتوالى ولن تطول المدة التي سنرى فيها أين ستصل الأمور .