(ينصح بالقراءة)
بدا السيِّد علي الخامنئي يُهندسُ نهايته كما تُهندَسُ لحظةٌ مفصلية في ملحمةٍ كبرى، وكما يُهندس القائد معركته الأخيرة. لم يترك خاتمته للصدفة، ولم يستسلم لقدرٍ عابر، بل أعدّ لها سياقاً، كأنّه يرسم المشهد الأخير بوعيٍ كامل ويُحكِم ترتيبه. كأنّه يكتب الفصل الختامي في سرديّةٍ أرادها مكتملة، نهايةً تُتوّجه أسطورة، وتحوّل جسده إلى رمزٍ يتجاوز الزمن. لقد فهِم أنّ العدوّ يراهن على لحظة قتله ليُعلن الانتصار، لكنه رأى فيها فرصةً تُحوِّل الموت من خسارةٍ إلى حدثٍ مؤسِّس.
في الملاحم الفارسية، ولا سيما في الشاهنامه، لا يموت البطل عبثاً. يسقط جسده، لكنّه يُطلق دورةً جديدة في التاريخ. يموت البطل فداءً لشعبه أو دفاعاً عن إيران، وموتُه ليس خاتمةً معتادة، بل لحظة انبعاث. وهكذا كان سياوش حين تحوّل دمه المراق ظلماً إلى نارٍ تحت الرماد، فأيقظ وعياً جمعياً وأطلق حرباً للثأر أعادت العدالة. وهكذا كان آرش كمانگير حين أودع روحه في سهمٍ ورمى، لم تكن مجرّد رميةٍ أخيرة، بل رميةً حدّدت حدود بلاده. مات بعدها مباشرة، إذ أعطى حياته فداءً لتبقى الأرض. في هذا الخيال الملحمي، يُحدِثُ موت البطل اختلالاً في الكون، لا يُصحّحه إلا نهوض الناس للمواجهة.
وكما في الأساطير، كذلك في الملاحم الدينية. في الموروث الشيعي، تبرز واقعة كربلاء بوصفها ذروة التضحية والثبات في مواجهة الظلم. بطلها الإمام الحسين، سبط النبي محمد وابن الإمام علي. واجه مع قلّة من أصحابه جيشاً جرّاراً، ورفض مبايعة حاكمٍ ظالم، وافتدى دين جدّه بنفسه. هذه الواقعة حُفِرَت عميقاً في وجدان الشيعة، وصارت معياراً للتضحية والصمود.
بقي السيّد علي في منزله، بين أهله، رغم التحذيرات. أُبلغ بأنّ سرباً من الطائرات يتّجه نحو إيران، وكان يدرك أنّهم يريدون رأسه. كان يستطيع المغادرة، لكنه لم يكن يبحث عن نجاةٍ شخصية. وكان قد رفض قبل أيام النزول إلى غرفةٍ محصّنة، كما رفضت عائلته ذلك. أراد العدوّ قتله لإنهاء المعركة، وأراد هو أن يجعل من موته استمراراً لها.
على أعتاب التسعين، ماذا يتمنّى رجلٌ كرّس حياته لفكرة الشهادة سوى أن يواجه الموت بشجاعة؟ لقد كان يطلب خاتمةً منسجمة مع حياته.
كان السيّد علي يكرّر أنّ جسده هزيل، وأنّ روحه لا قيمة لها. انتشر له مقطعٌ وهو يتلو القرآن، يقترب منه صبيّ يقول: «سيّدي، ادعُ لي بالشهادة». ابتسم وأجابه: «يا روحي، عليك أن تكبر أولاً، أن تطول قامتك، أن تدرس وتكتسب المعرفة، وأن تكون نافعاً للإسلام. عش ثمانين أو تسعين عاماً، ثم اطلب الشهادة بعدها». بدا وكأنّه يتحدّث عن نفسه، يضع جدولاً زمنياً لنهايةٍ اختارها بعناية.
في إحدى خطبه الأخيرة، وصف الحرب بأنّها حرب تحرير القدس، وأنّ الوصول إليها بات قريباً. وذكر أنّ المعركة ستكون الأكبر. وقال إنّه يتمنّى أن يكون في صفوف المصلّين هناك يوم الفتح، لكنه إن لم يفعل يكون قد نال شرف الشهادة. لم يقدّم الشهادة كخسارة، بل كاحتمالٍ لا يحول دون إكمال الطريق. لذلك شدّد: يجب ألّا تتوقّف المعركة. ودعا أتباعه: اثبتوا حتى النهاية ولا تستسلموا، فإنّ النصر قريب.
بذكاءٍ استثنائي، أراد السيّد علي أن تكون نهايته جزءاً من تكتيكٍ أوسع: أن يتحوّل دمه إلى سلاحٍ نوعي يقذفه في صدر العدو، وعنصراً استثنائياً لتعبئة الملايين من أتباعه. وأن يُخيَّل للعدوّ أنّه حسم المعركة، فيما تكون اللحظة نفسها بذرةَ تعبئةٍ ضخمة واندفاعٍ جديد. في هذا التصوّر، يغدو السيّد علي شبيهاً بأبطال الملاحم الذين يفتدون أنفسهم لدفع أمّتهم إلى الأمام نحو النصر، ويُحرّك رحيله ملايين الناس.
حتى إنّ قاتليه لم يستوعبوا ما الذي كان يجري. فقد نقل موقع Axios عن مسؤولٍ رفيع في إدارة دونالد ترامب قوله: «عدم اختباء الخامنئي تحت الأرض كان أمراً مفاجئاً». وفي السياق نفسه، صرّح ترامب لقناة Fox News بأنّ المرشد الإيراني كان مجتمعاً مع دائرته المقرّبة على مائدة الإفطار صباح يوم الهجوم، إذ كانوا يعتقدون أنّهم في مأمن لأنّ الاجتماع عُقد في وضح النهار. وحدها بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية نقلت أنّ اغتيال خامنئي كان قراراً سياسياً، ولا يُعدّ إنجازاً أمنياً، إذ إنّ الرجل بقي في منزله في وضح النهار.
بطبيعة الحال، فإنّ عقلاً كعقل ترامب، وهو أحد المتورّطين في فضائح جيفري إبستين، أعجزُ من أن يدرك رجلاً كالخامنئي. فالفيلسوف الحكيم لا يمكن أن يفهمه سفيهٌ متحرّش مثل ترامب، حتى لو كان رئيس أقوى دولةٍ في العالم. فضلاً عن زعمه الكاذب بأنّهم كانوا مجتمعين على إفطار الصباح، في حين أنّ الحقيقة أنّهم كانوا صائمين في شهر رمضان. ولكن هكذا تمضي الدنيا، فكما قتل يزيد والشمر الإمام الحسين، قتل ترامب ونتنياهو السيّد الخامنئي.
وهكذا، ظنّ قاتلوه أنّهم طووا الصفحة الأخيرة بقتله، لكنهم في الحقيقة أطلقوا الأسطورة، فالملاحم لا تنتهي بموت أبطالها… بل تبدأ عنده