قراءة في قرارٍ يختبر معنى الدولة فراس رفعت زعيتر في لحظات الخطر الوجودي، تُقاس الدول بقدرتها على حماية سيادتها قبل أي اع
قراءة في قرارٍ يختبر معنى الدولة
فراس رفعت زعيتر
في لحظات الخطر الوجودي، تُقاس الدول بقدرتها على حماية سيادتها قبل أي اعتبار آخر. فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في البيانات، بل فعلًا يُترجم عند أول اختبار. وعندما يصدر قرار يمنع أي مواجهة مع عدو يعتدي على الأرض، ويُطلب من الجيش البقاء في ثكناته في حال الاجتياح، يصبح السؤال مشروعًا: ما هو تعريف الدولة لنفسها؟ وأين تضع حدود مسؤوليتها؟
على امتداد أشهر طويلة، شهد لبنان اعتداءات متكررة: توغلات، قصف، تفجير منازل، وعمليات اغتيال. لم تنجح الدبلوماسية في ردع المعتدي، ولم تُثمر الاتصالات في فرض معادلة احترام للحدود. في هذا السياق، لم يكن الشعور الشعبي سوى شعور بالخذلان المتراكم. وحين تحرك بعض الابطال، بعد خمسة عشر شهرًا من الصبر وتحمل الخسائر، جاء الرد الرسمي سريعًا تحت عنوان “حماية الشرعية وهيبة الدولة”.
لكن أي شرعية تُستدعى هنا؟ الشرعية، في جوهرها، تنبع من حماية الأرض وصون المواطنين. أما الهيبة، فلا تُصان بمنع الفعل الداخلي إذا كان الخارج ينتهك السيادة بلا رادع. الهيبة تُبنى حين يعلم العدو أن كلفة الاعتداء أعلى من جدواه، لا حين يطمئن إلى أن الرد مكبل بقرار سياسي.
القرار المطروح لا يثير فقط جدلًا سياسيًا، بل يطرح إشكالية دستورية وأخلاقية. فحق الدفاع عن النفس ليس بدعة محلية، بل مبدأ راسخ في القانون الدولي. والدولة التي تحتكر استخدام القوة تفعل ذلك مقابل تعهد واضح: أن تؤمّن الحماية. فإذا عجزت عن أداء هذا الالتزام، يصبح احتكارها للقوة موضع تساؤل أخلاقي وسياسي، لأن العقد بينها وبين مواطنيها يقوم أولًا على الحماية.
الأخطر في المسألة هو الرسالة التي يبعثها هذا القرار. حين يُطلب من الجيش البقاء في الثكنات في حال الاجتياح، تُطرح معادلة مقلقة: هل المطلوب تجنب المواجهة مهما بلغت كلفة الانتهاك؟ وهل يتحول الدفاع عن البيت إلى إخلال بالنظام العام؟ إن أي دولة في العالم، حين تتعرض لاعتداء مباشر، تستنفر مؤسساتها العسكرية لحماية حدودها، لا لتجميدها بانتظار مسارات دبلوماسية قد لا تأتي بنتيجة.
ثم إن تحميل ابناء الارض مسؤولية “ضرب هيبة الدولة” يتجاهل حقيقة أن الهيبة تُمس أولًا حين يُترك الوطن مكشوفًا. لا يمكن مطالبة الناس بالثقة فيما هم يرون بيوتهم مهدمة وأرضهم منتهكة. الثقة تُبنى بالفعل، لا بالتعميم.
إن النقد هنا ليس دعوة للفوضى، ولا انتقاصًا من قيمة الدولة، بل دفاع عن معناها الحقيقي. الدولة القوية لا تخشى شعبها، بل تستمد قوتها منه. وهي لا ترى في إرادة الدفاع عبئًا عليها، بل رصيدًا وطنيًا ينبغي تنظيمه وتوجيهه في إطار استراتيجية تحمي السيادة وتمنع الانزلاق.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يُراد تحصين الدولة عبر كبح أي رد، أم عبر بناء معادلة ردع واضحة تحمي الأرض وتعيد الاعتبار للسيادة؟ لأن التاريخ يُظهر أن الدول التي تفقد قدرتها على الردع لا تحمي نفسها بالقرارات، بل بإعادة تعريف دورها.
في لحظة كهذه، لا يكفي الحديث عن الاستقرار. الاستقرار الحقيقي لا يقوم على ضبط رد الفعل، بل على إزالة سببه. فإذا كان العدوان مستمرًا، فالمطلوب سياسة تُنهيه، لا قرارًا يُجمد الإرادة الوطنية. هنا يكمن جوهر الاختبار: أن تختار الدولة بين أن تكون مظلة حماية، أو مجرد إدارة أزمة دائمة تحت سقف الانتهاك.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها