
للمرة الثانية في أقل من عام، يُخيِّم شعور الفقد على الضاحية الجنوبية لبيروت. وكأنّها ألِفت تشييع أحبتها، غير أنها حتماً لم تعتد هذا الكم من الحزن. أمس، بعد أن أعلنت إيران رسمياً استشهاد قائدها الأعلى، السيد علي الخامنئي، في عدوان إسرائيلي - أميركي على منزله في طهران، استذكر أهل الضاحية تاريخ 27 أيلول 2024.
في ساعات الفجر الأولى، استيقظت المنطقة على «النبأ العظيم». فملأ أهلها الشوارع بشكل عفوي، هاتفين بأعلى أصواتهم: «لبيك يا خامنئي». البعض أطلق الأعيرة النارية في الهواء تعبيراً عن الغضب والاستنكار، فيما جابت شوارعها سيارات اتّشحت بالسواد، لنعي «السيد القائد»، مستعيدةً خطابات السيد الشهيد حسن نصر الله حول الصبر على البلاء.
نهاراً، لم تكن الضاحية على طبيعتها؛ حركة خفيفة في الطرقات، محال مقفلة وشرفات متشحة بالسواد. حتى الزينة الرمضانية أُطفئت، فالشهيد هو «أبونا»، وفقاً لتعبير أحد الشبان في محلة الجاموس، حيث وقفت مجموعة تنتظر موكباً من الدراجات النارية، للانطلاق معه في المسيرات المندّدة.
وعند الرابعة، دعا «صاحب العزاء»، حزب الله، الناس للاحتشاد في «باحة عاشوراء» في منطقة الجاموس «وفاءً للقائد العظيم وتضامناً مع الجمهورية الإسلامية». الدعوة كانت كافية لتُقفِل جموع المحتشدين كل الشوارع المحيطة بـ«شارع الجاموس». اكتظاظ كبير بدت المجموعة البشرية التي تُشكّله كأنها جسم واحد، لطغيان اللون الأسود عليها. وبسبب عدم وجود أماكن في الشوارع، صعد البعض إلى أسطح الأبنية المنخفضة للتمكن من المشاركة في الفعالية.
على الأرض، وقف المعزّون من مختلف الفئات: أطفال، شباب ومسنّون، ومنهم جرحى «بيجر» وكشفيون، كلّهم بصوت واحد يردّدون مراثي من تراث عاشوراء، مجدّدين الولاء لـ«القائد الشهيد»، متوعدين العدو الإسرائيلي بأن «الثأر لدماء السيدين وكل من سبقهما سيأتي ولو بعد حين».
وبعد نحو ساعة، انتهت مراسم الرثاء، فحمل المعزّون حزنهم ووعدهم بالثأر وغادروا الساحة ببطء، فيما بقيت في الأجواء هتافات الغضب وأصداء المراثي، في مشهدٍ اختلطت فيه الدموع بتجديد العهد لمواصلة الطريق.