أ. محمد البحر المحضار ...
في الذكرى السنوية الأولى لتشييع شهيد الإنسانية، ومنارة المجاهدين، وسماحة العشق الذي سكن القلوب والأرواح، السيد القائد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، لا نقف أمام مجرد ذكرى عابرة لرحيل جسد، بل نحن أمام لحظة مراجعة استراتيجية كبرى لبنية "محور المقاومة" التي صاغ الشهيد ملامحها بدمه وفكره، وحوّلها من فعل مقاوم محلي إلى معادلة إقليمية عابرة للحدود، لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية قادمة.
"إنا على العهد".. من الشعار إلى العقيدة القتالية:
إن شعار "إنا على العهد" الذي يرفعه المحور اليوم ليس مجرد وفاء عاطفي، بل هو تزامُن استراتيجي بين القيادة والقاعدة.
عسكرياً، يعني هذا الشعار استمرارية "وحدة الساحات" وتفعيل "الربط العضوي" بين الجبهات.
لقد أثبتت أحداث العام المنصرم أن استشهاد القائد لم يؤدِ إلى تآكل القوة، بل فجّر طاقات كامنة اعتمدت على "مأسسة المقاومة"، حيث انتقل الحزب والمحور من مرحلة "كاريزما الفرد" إلى "قوة المنظومة" التي تدار بغرف عمليات مشتركة وتقنيات عسكرية هجينة.
البعد العسكري.. "المنظومة شبه النظامية" وتوازن الرعب:
تحليلياً، يمتلك محور المقاومة اليوم بنية قتالية تتجاوز مفهوم العصابات التقليدي، لتستقر في منطقة الوسط كقوة "شبه نظامية" تمتلك:
- التشبع النيراني:
عبر تطوير مصفوفة صاروخية قادرة على إرباك "القبة الحديدية" و"مقلاع داوود"، ليس بالعدد فقط، بل بدقة الإصابة وتوقيتات الإطلاق المتزامنة.
- سلاح المسيرات:
الذي أعاد تعريف "كلفة الحرب".
فالمسيرات الانتحارية منخفضة التكلفة باتت تستنزف المنظومات الدفاعية المليارية للعدو، محققة اختراقات في العمق الاستراتيجي (حيفا وتل أبيب وما بعدها).
- وحدات النخبة:
التي تمارس حرب المدن والتحصينات تحت الأرض، مما يجعل أي توغل بري للعدو مقامرة غير محسومة النتائج، ومقبرة لآلياته وجنوده.
التحليل السياسي.. تعدد الجبهات كحتمية جيو-سياسية:
سياسياً، نجح المحور في فرض واقع "تعدد الجبهات".
من لبنان إلى غزة، ومن اليمن الصامد بجيشه وشعبه إلى العراق وسوريا، وصولاً إلى العمق الإيراني.
هذا الانتشار الشبكي حقق ثلاثة أهداف جوهرية:
- تشتيت الجهد الاستخباري والميداني للعدو:
حيث لم يعد قادراً على الاستفراد بجبهة دون أخرى.
- تدويل الأزمة:
عبر التأثير على ممرات التجارة العالمية (البحر الأحمر) لفرض ضغوط سياسية واقتصادية على حلفاء الكيان.
- إسقاط نظرية "الأمن المطلق":
التي بنيت عليها دولة الاحتلال، وتحويلها إلى كيان يعيش حالة استنفار دائم وقلق وجودي.
استشراف المستقبل وسيناريوهات التصعيد:
بناءً على المعطيات الميدانية، نحن أمام ثلاثة مسارات محتملة:
1. السيناريو الأول:(الاستنزاف الطويل):
وهو المسار الحالي الذي يهدف إلى إنهاك البنية الاقتصادية والاجتماعية للعدو بضربات منتقاة ومستمرة، وهو ما يبرع فيه المحور تحت شعار "النفس الطويل".
2. السيناريو الثاني(المواجهة الكبرى):
في حال ارتكب العدو حماقة كبرى تجاه العواصم المركزية للمحور، وهنا ستنتقل الحرب من "إسناد" إلى "تحرير" شامل تُفتح فيه كافة الحدود والبحار.
3. السيناريو الثالث:(قواعد اشتباك جديدة):
فرض واقع سياسي يعترف بمصالح المحور كقوة إقليمية أولى، مما يجبر القوى الدولية على صياغة اتفاقات تضمن سيادة دول المقاومة وحقوق شعوبها.
العهد والوفاء لسيد الشهداء(سماحة العشق):
إننا في هذه الذكرى، نجدد العهد لسماحة السيد الشهيد حسن نصر الله، بأن دماءه لم تكن نهاية مطاف، بل كانت وقوداً لمحركات الصواريخ التي تدك حصون المعتدين.
إن مدرسة نصر الله في "إدارة التصعيد" و"الدبلوماسية النارية" باتت تدرس في الأكاديميات العسكرية، لكن ما لا يمكن تدريسه هو "عقيدة العشق" التي تربط المقاتل بقائده، وهي السر الحقيقي وراء صمود هذا المحور وتعاظم قوته رغم كل التحديات.
نحن اليوم أقوى، وأكثر تصميماً، وإنا على العهد باقون.. حتى النصر المؤزر أو الشهادة التي تليق بعشاق الحسين.
مدير عام مكتب التخطيط - م/ شبوة
#البحرالمحضار ...