بقلم الإعلامي خضر رسلان
منذ سنوات، تتحرك العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران على إيقاعٍ متذبذب: لا حرب شاملة، ولا اتفاق شامل. مشهدٌ رماديّ تتداخل فيه الرسائل العسكرية بالوساطات الدبلوماسية، والتهديدات الإعلامية بالتفاهمات غير المعلنة. وبين من يروّج لانفجار وشيك ومن يبشّر بانفراج قريب، تبدو القراءة الواقعية أقرب إلى توصيفٍ أكثر برودة: إدارة توتر طويلة الأمد، لا تسوية نهائية ولا مواجهة مفتوحة.
الاحتمال غير المرجح حتى الآن هو اندلاع حرب مباشرة واسعة، فحسابات الكلفة لدى الطرفين ثقيلة. تدرك إيران أن أي مواجهة شاملة ستعرّض بنيتها التحتية والعسكرية لضربات قاسية، فيما تعلم واشنطن أن الانخراط في حرب شرق أوسطية جديدة يتناقض مع أولوياتها الاستراتيجية التي تميل شرقاً نحو آسيا، ومع إرهاق داخلي من حروب طويلة لم تُنتج استقراراً دائماً. لذلك، يبدو أن “الرد تحت السقف” هو القاعدة الحاكمة: ضربات محدودة، رسائل مدروسة، واحتواء سريع لأي انزلاق غير محسوب.
يبقى الملف النووي العقدة المركزية في هذا الاشتباك. فمنذ تعثر مسار إحياء الاتفاق النووي، دخل الطرفان مرحلة شدّ حبال دقيقة: تخصيب متقدم وضغوط اقتصادية متزايدة من جهة، وعقوبات وتشديد رقابي من جهة أخرى. إلا أن اللافت أن مسار التفاوض لم يُدفن بالكامل. ما نشهده أقرب إلى تفاهمات جزئية أو غير معلنة، أو إلى صيغة “تجميد مقابل تجميد”: ضبط مستوى التخصيب مقابل تخفيف ضغوط محددة، أو تسهيلات مالية محدودة لا ترقى إلى رفع شامل للعقوبات. لا اتفاق كبير في الأفق، لكن أيضاً لا انهيار كامل. إنها إدارة أزمة بدلاً من حل جذري.
أما الساحات الإقليمية، فهي المرآة اليومية لهذا الاشتباك المضبوط. في لبنان، يبقى أي تصعيد مرتبط بالجنوب خاضعاً لإيقاعٍ إقليمي أشمل، إذ يدرك الجميع أن الانفجار الواسع سيقلب موازين المنطقة ويدفع أثماناً باهظة. وفي العراق وسوريا، من الممكن أن تتكرر الضربات المحدودة والردود الموضعية من دون انتقال إلى مواجهة مفتوحة. أما في البحر الأحمر واليمن، فيظهر شدّ الحبال بوضوح في ملف الملاحة وأمن الممرات البحرية. هنا تتجلى الاستراتيجية غير المعلنة: استخدام الضغط التكتيكي لتحسين شروط التفاوض، لا السعي إلى تغيير النظام، وهو هدف يبدو صعب المنال إلى حدّ الاستحالة.
ويلعب العامل الداخلي دوراً حاسماً في رسم حدود التصعيد. في واشنطن، تدفع الحسابات الانتخابية وحساسية الرأي العام تجاه الحروب الخارجية الإدارةَ إلى تجنّب المغامرات الكبرى، مع الحفاظ على صورة الحزم. وفي طهران، تفرض الضغوط الاقتصادية والعقوبات المستمرة الحاجة إلى متنفس، ولو محدود، من دون تقديم تنازلات استراتيجية تمسّ بنية النظام أو قدراته الردعية. وهكذا يسعى كل طرف إلى تحقيق توازن دقيق بين إظهار الصلابة وعدم دفع الأمور إلى حافة الهاوية.
من هنا، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات واقعية للمسار المقبل. الأول، متفائل نسبياً، يقوم على تفاهمات تدريجية تخفف مستوى التوتر وتفتح الباب أمام خطوات بناء ثقة محدودة، من دون العودة إلى اتفاق شامل. الثاني، وهو الأرجح، استمرار الوضع الحالي: توتر مضبوط، ضربات موضعية، مفاوضات غير مباشرة، ورسائل متبادلة عبر الوسطاء. أما الثالث، المتشائم، فيقوم على خطأ في الحسابات أو حادث أمني كبير يخرج الأمور مؤقتاً عن السيطرة، قبل أن تتدخل قنوات الاحتواء لإعادة ضبط الإيقاع.
الخلاصة أن المنطقة تعيش مرحلة “إدارة اشتباك” طويلة، لا سلاماً كاملاً ولا حرباً شاملة. ستبقى التصريحات نارية، والعناوين مثقلة بالتوقعات، لكن تحت السطح تتحرك حسابات باردة تحكمها موازين قوة دقيقة ومصالح متشابكة. وبين الضجيج السياسي وهدوء الغرف المغلقة، يبقى الثابت أن كلفة الانفجار أكبر من قدرة الجميع على تحمّلها، فيما لا تزال كلفة التوتر المضبوط مقبولة ضمن لعبة الأمم الجارية.
إنها مرحلة رمادية قد تطول، عنوانها: تفاوض بلا إعلان، وتصعيد بلا حرب.