لم تكن مخرجات القمة الـ 39 للاتحاد الأفريقي، والتي اختتمت يوم الأحد في العاصمة الاثيوبية، أديس أبابا، على قدر التوقعات رغم مرور زهاء ربع قرن على تأسيس الاتحاد الأفريقي. فعلى وقع أزمات أمنية وسياسية وإخفاقات اقتصادية متراكمة يعاني منها العدد الأكبر من دول القارة، بشكل أو بآخر، كحرب السودان التي دخلت عامها الرابع، بكل ما تثيره من حضور دولي وازن فيها غالباً ما يتجاوز حدود أدوار الفاعلين المحليين ضمن إطار صراع القوى الكبرى على النفوذ والموارد، فضلاً عن معضلة الأمن المائي المصاحب لأزمة سد النهضة، وكذلك تنامي الظاهرة الإرهابية في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، مع توالي الأزمات السياسية والانقلابات العسكرية، عاد الجدل ليحيط بما يكتنف آليات العمل القاري الجماعي للاتحاد الأفريقي، المنبثق من وحي "التجربة الوحدوية الأوروبية"، كخلف شرعي لـ «منظمة الوحدة الأفريقية»، من عثرات لا تزال في صميم عجز القارة السمراء عن تحويل تراثها السياسي والحضاري إلى هياكل سياسية فاعلة، خاصة على المستوى الجماعي قارياً.
لم تنته القمة دون تظهير إجماع أفريقي واعد وإن كان خجولاً إزاء قضايا معينة على غرار تجريم الرق والترحيل والاستعمار
ورغم إعلان الاتحاد عن «أجندة 2063»، بدءاً من العام 2013، ذات التطلعات الأمنية والتنموية المتصلة بالعدالة المناخية وإصلاح مجلس الأمن الدولي والنظام المالي العالمي، سواء من خلال ما يُعرف بـ «لجنة العشرة»، التابعة للاتحاد الأفريقي، أو من خلال انضواء الاتحاد في «مجموعة العشرين»، ودخوله في شراكات مع أكثر من عشر قوى إقليمية ودولية، لم يغب عن أجندة الحاضرين للقمة تسليط الضوء على أحد أبرز المعوقات التي تعترض تحقيق تلك الأجندة، والتي أقرّ بها رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في جلسة الافتتاح، إذ قال إنّ الاتحاد الأفريقي والمفوضية لا يمتلكان الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية اللازمة لتحويل مخرجات قمم الاتحاد إلى قرارات نافذة في الميدان، فيما حذّر الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، من محاولات إضعاف الصف الأفريقي من خلال الانخراط في تكتلات مصالح خارجية، في نقد مبطن لسير عدد من الدول التي شهدت انقلابات عسكرية في الآونة الأخيرة، وتحديداً مالي وبوركينا فاسو والنيجر، نحو خيار تشكيل تكتل كونفدرالي فيما بينها رداً على استبعادها من عضوية الاتحاد الأفريقي (لأسباب أرجعت لخروجها عن المسار الدستوري)، وهي أزمة وصفها مراقبون بالـ «الانفصال الجيوسياسي» لدول الساحل عن الهيكل المؤسسي القاري.
مع ذلك، لم تنته القمة دون تظهير إجماع أفريقي واعد، وإن كان خجولاً، إزاء قضايا معينة، على غرار تجريم الرق والترحيل والاستعمار، باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، إلى جانب تأكيد القادة الأفارقة على وحدة الصومال وسلامة أراضيه وسيادته في وجه الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «صوماليلاند»، في موازاة مطالبتهم بعضوية أممية كاملة لفلسطين، ورفضهم محاولات تهجير الفلسطينيين، علماً أن تل أبيب نجحت خلال الأعوام الأخيرة في تعزيز نفوذها في غير بلد أفريقي كالكونغو، وأنغولا، وتشاد.
وأياً يكن من أمر، فإنّ القمة أبرزت حجم هشاشة الاتحاد الأفريقي على عدة أصعدة. ولعل أبرز مظاهر تلك الهشاشة، وهي مظاهر تم التباحث بها خلال القمة، لا تتصل فقط بضعف التكامل الاقتصادي بين بلدان القارة، بل في عجزها أيضاً عن تمويل مهمات الاتحاد الأمنية والعسكرية، بشكل مستقل، ما جعل شكل ومضمون تلك المهمات خاضع لأمزجة الجهات الخارجية الممولة التي تكاد تنحصر بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان والصين، في ظل غياب للعدالة في ما يتعلق بحصص المساهمة في ميزانية الاتحاد الأفريقي بين دول القارة. ومن المفارقات بالغة الدلالة، في هذا السياق، أنّ المقر الرئيسي للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا بُني بتمويل من الصين، التي تقوم حالياً ببناء مكاتب جديدة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).
علماً أنّ القارة السمراء استحوذت خلال الأعوام الماضية على اهتمام بكين التي استثمرت فيها أموالاً ضخمة في البنية التحتية والمشاريع التنموية.
أصبحت الإمارات طرفا مؤثراً في منطقة القرن الأفريقي التي تشمل في المقام الأول السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي
وفي السنوات القليلة الماضية، أصبحت الإمارات طرفا مؤثراً في منطقة القرن الأفريقي - التي تشمل في المقام الأول السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي - من خلال استثمارات بمليارات الدولارات ودبلوماسية قوية ودعم عسكري سري.
إلى جانب العجز المالي، تأخذ «قلة حيلة» الاتحاد طابعاً سياسياً وأمنياً لا يمكن إنكاره، مقارنة بطغيان حضور القوى الخارجية في أزمات القارة، كما هو الحال أزمة شرق الكونغو، حيث لم ينجح الهيكل القاري الأفريقي في التدخل بفاعلية أو فرض حل على أطراف النزاع، الذين فضّلوا القبول بوساطة أميركية وقطرية.
بوجه عام، ومع أن بعض المنظمات المتخصصة والمنظمات ما دون الإقليمية التابعة للاتحاد، تركت بصمة ناجحة، خاصة الاقتصادية منها، كما هو حال «الإكواس» في الغرب و«الكوميسا» في الشرق و«السادك» في الجنوب، يُرجع مراقبون أزمة الحضور الضعيف للاتحاد الأفريقي إلى عاملين رئيسيين، الأول يتعلق بالسلطة المطلقة لرؤساء الدول الـ 15 المكونة له، ذات التحالفات الخارجية المتنوعة والمتمايزة، بل والمتباينة، بكل ما يصاحب ذلك من تغليب لكفة الحكومات المحلية على حساب سلطة التكتل القاري، لعدم تمكنه من فرض نفسه كـ «سلطة فوق سلطات الدول»، أما العامل الثاني، فهو ما يمكن إدراجه ضمن عدم وضوح الرؤية وغياب المشروع لتسيير عمل المجلس، بكل ما يخلفه ذلك من انعكاسات مباشرة على عمل الاتحاد الأفريقي، والمفوضية التابعة له.