❗الكاتب والمحلل السياسي يحيى دايخ❗ ❗️sadawilaya❗
19 شباط 2026
أولاً - الربط الاستراتيجي: أمريكا vs الصين عبر الشرق الأوسط
الولايات المتحدة ترى أن الشرق الأوسط ليس ساحة نفوذ فحسب، بل ممر استراتيجي لأوروبا وعموم العالم الغربي في المنافسة مع الصين من خلال:
1 - الطاقة: هدف أمريكا هو ضمان تدفق النفط والغاز لحلفاءها وبالتالي حرمان الصين من الهيمنة على طرق الإمداد (طريق الحرير).
- التهديد الصيني: عقود طويلة مع إيران والعراق.
2 - المعادن: هدف أمريكا السيطرة على مناجم الليثيوم (ڤنزويلا) ، وال REEs (غرينلاند).
- التهديد الصيني: السيطرة على 60% من تكرير المعادن النادرة.
3 - التكنولوجيا: هدف أمريكا جعل دولة الكيان المؤقت مركزاً رقمياً غربياً.
- التهديد الصيني: نشر Huawei مراكز بيانات صينية في الخليج.
4 - الأمن: هدف أمريكا تحييد إيران وحلفائها.
- التهديد الصيني: تحالف عسكري-تقني صيني-إيراني.
لذا، فإن إضعاف وتحييد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة إستراتيجية لقطع الجسر البري-الرقمي بين الصين وقلب العالم العربي والإسلامي وبالتالي أوروبا والعالم الغربي.
ثانياً - سلوك روسيا في العقد الأخير، خاصةً في ظل تراجع قوتها النسبية مقارنة بالصين وأمريكا
مع دمج الدور الروسي في المشهد الاستراتيجي الذي ناقشناه سابقاً وفي الشرق الأوسط، عبر التركيز على الأسئلة التالية:
1- طبيعة العلاقة الروسية-الصينية: هل هي تحالف استراتيجي أم تكتيك مؤقت؟
2- كيف تستغل أمريكا هذا التناقض؟
3- لماذا ترى واشنطن (وخاصة الدوائر البراغماتية مثل ترامب) أن روسيا "قابلة للتفاوض" بينما الصين "منافس وجودي"؟
4- وماذا يعني ذلك لإيران، فنزويلا، سوريا، وأوكرانيا؟
روسيا: القوة المُنهكة التي تفاوض على نفوذها مقابل البقاء
1. الواقع الروسي: اقتصاد هشّ، نفوذ محدود، واعتماد على الغرب
فالاقتصاد الروسي يعادل حوالي 2% من الاقتصاد العالمي (أقل من إيطاليا).
أما عائداتها تعتمد على النفط والغاز والسلاح، كلها سلع تتأثر بقرارات غربية.
وبعد العقوبات الغربية (خاصة بعد 2014 و2022)، أصبحت روسيا شبه معزولة تقنياً، وتعاني من نقص حاد في الرقاقات، المعدات الصناعية، وحتى قطع غيار الطائرات.
هذا الواقع جعل من روسيا ليست شريكاً ندياً ومتكافئاً للصين، بل حليفًا محتاجاً.
2. العلاقة مع الصين: يُسمى "زواج مصلحة" أو "تحالف الضرورة" وليس تحالفاً أيديولوجياً.
- الصين تستخدم روسيا كـمصدر للطاقة الرخيصة (نفط، غاز، خشب، معادن).
- وروسيا تستخدم الصين كـمنفذ اقتصادي لتجاوز العقوبات.
- والأهم الرابط الاستراتيجي بينهما الحد من الهيمنة الأمريكية.
- ومع ذلك يبقى هناك توترات خفية: بإعتبار أن الصين لا تريد صداماً مع الغرب يُهدد مصالحها التجارية.
- وروسيا تخشى أن تتحول إلى "مستعمرة موارد" للصين.
- مع عدم وجود تحالف عسكري عميق (مثل الناتو أو حتى الاتفاقات الإيرانية-الروسية).
كما قال الباحث الجيوسياسي جون ميرشايمر:
"الصين وروسيا حليفتان ضد أمريكا، لكنهما لا يثقان ببعضهما".
ثالثاً - الاستراتيجية الأمريكية "تقسيم المحور المعادي"
إدارة واشنطن، وخاصة المدارس البراغماتية (مثل ترامب، كيسنجر، وبعض دوائر البنتاغون) ترى أن:
"الصين هي الخصم الاستراتيجي الحقيقي. أما روسيا، فهي مشكلة يمكن حلها بصفقة."
كيف تُطبّق أمريكا هذه الفكرة؟
أ. في سوريا:
- روسيا دخلت عام 2015 بهدف إنقاذ حكم الأسد، لكنها في الواقع لم تحصل على عوائد اقتصادية فعلية وحقيقية.
- أمريكا سمحت لها بـ"الانتصار الرمزي"، لكنها عزلت سوريا اقتصادياً عبر قانون قيصر.
النتيجة: روسيا تخلّت عملياً عن دعم الاسد، مقابل حماية مصالحها في سوريا وشرق المتوسط.
ب. في فنزويلا:
- رغم دعم روسيا لمادورو (بإرسال خبراء أمنيين ووقود)، فإنها لم تستثمر في قطاع النفط أو الليثيوم كما فعلت الصين.
- في 2023–2024، بدأت روسيا تخفض وجودها بعد أن فتحت أمريكا الباب أمام شركات أمريكية (مثل Chevron) للعمل في فنزويلا.
- إختطاف مادورو دون أي رد فعل روسي حقيقي.
بالنتيجة الرسالة الضمنية: روسيا مستعدة للخروج إذا دُفع لها ثمناً، وهذا ما حصل.
ج. في أوكرانيا:
- هنا تظهر براغماتية ترامب بوضوح.
- ترامب (ومقربوه مثل تولسي غابارد) يطرحون فكرة:
لماذا ندفع مليارات لدعم أوكرانيا، بينما يمكننا عقد صفقة مع بوتين؟ نعطيه ما يطلبه في أقليم دونباس، ونعيد العلاقات... مقابل أن يبتعد عن الصين.
إذن، الهدف هنا، ليس "إنصاف روسيا"، بل فصلها عن الصين، وإعادة توجيه بوتين نحو الغرب، حتى لو بشكل جزئي ومحدود.
وأعتقد هذا ما عناه ترامب بقوله: "يمكننا حل أوكرانيا في 24 ساعة.
(ليس لأنه يحب بوتين، بل لأنه يرى أن روسيا أداة تفاوضية ضد الصين).
رابعاً - أمريكا تدرك أن التحالف الروسي قابل للتفاوض
فالتجربة أثبتت أن روسيا:
- باعت نفوذها في ليبيا (سحبت دعمها عن حفتر مقابل صفقات مع مصر والإمارات).
- تخلّت عن طموحاتها في السودان بعد ضغوط سعودية-إماراتية.
- لم تدافع عن صربيا رغم الخطاب التاريخي.
- تراجعت في فنزويلا عندما رأت أن العائد لا يستحق التكلفة.
بالتالي إستراتيجية روسيا اليوم في الحفاظ على مصالحها وأمنها القومي تنتهج ما يسمى "تحالف الضرورة".
خامساً - الربط النهائي: أمريكا تلعب لعبة "التفكيك الثلاثي"
الاستراتيجية الأمريكية الحالية تقوم على التالي:
1. عزل الصين، من خلال السيطرة على معادن المستقبل (ڤنزويلا، غرينلاند)، وبالتالي قطع سلاسل إمداد التكنولوجيا الصينية.
2. تحييد إيران، من خلال عمليات الضغوط القصوى والحرب الهجينة ( عقوبات إقتصادية، حرب سيبرانية، دعم تظاهرات وإعمال شغب، حرب نارية إن لزم ... إلخ)، وبالتالي منعها من أن تكون قوة إقليمية وجسراً صينياً للشرق الأوسط ومنه إلى أوروبا والغرب.
3. محاولات شراء روسيا، صفقات جزئية (أوكرانيا، تهميش الدور الأوروبي المناهض لروسيا، ڤنزويلا...)، وبالتالي محاولة تفكيك المحور الصيني الروسي الإيراني.
بالنتيجة يظهر حتى الآن أن محور روسيا والصين وإيران يدرك الهدف الأمريكي.
وعليه، فإن البراغماتية الأمريكية المتمثلة بإدارة ترامب حالياً لا ترى "أصدقاء دائمين"، بل "مصالح قابلة للتفاوض". حتى لو كان ذلك يعني تنازلات محدودة وجزئية، طالما أن الهدف الإستراتيجي هو عزل الصين.
بالتالي يُستنتج أن السياسة الأمريكية اليوم تقوم على ثلاث ركائز مترابطة:
1. السيطرة على مفاتيح الاقتصاد التكنولوجي الجديد (المعادن، الرقاقات، البيانات).
2. إعادة تشكيل الشرق الأوسط حول محور "إسرائيلي"-أمريكي يخدم المصالح التكنولوجية والأمنية.
3. احتواء الصين عبر قطع طرق نفوذها في "المناطق الوسيطة" ، ومنها إيران، فنزويلا، أفريقيا.
وعليه تمثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم، العقدة المركزية التي تربط كل هذه الخيوط.
وبالتالي الولايات المتحدة، رغم براغماتيتها، لن تتخلى عن هدف تحييدها، سواء عبر العقوبات، الحرب السيبرانية، أو هبر التدخل عسكري عند توفر الظروف وإستكمال الاستعدادات.
لكن يتمثل التحدي الأكبر أمام إدارة ترامب اليوم ليس إيران أو الصين، بل وحدتها الداخلية وقدرتها على تقديم رؤية استراتيجية متماسكة، لأن البراغماتية بدون رؤية تصبح ردود أفعال... وليس قيادة.
سادساً خلاصة عامة
أمريكا، تستغل ضعف التحالفات المقابلة لها ببراغماتية قاسية:
- الصين = خصم وجودي → لا تفاوض.
- روسيا = خصم تكتيكي → قابل للتفاوض والشراء.
- إيران = عقبة "جيوتقنية" → يجب تحييدها بأي وسيلة.
وفي قلب هذا الثالوث، تقع دولة الكيان العبري إسرائيل كحليف تكنولوجي لا بديل عنه، والشرق الأوسط الجديد كمسرح للمناورة بين الطاقة، التكنولوجيا، والسيطرة.
وبالتالي، وبمعادلة بسيطة وسهلة بعد كل الاستنباطات يمكن الإستنتاج جازماً أنه:
فيما لو سقطت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لاقدر الله، فإن خسارة الصين وروسيا ستكون خسارة في صلب إستراتيجيتهما القومية، والشرق الأوسط الأمريكي والإسرائيلي الجديد سيكون الأكثر سلبية على دول المنطقة وشعوبها، أما على المستوى العالمي والدولي فالقطبية الأحادية والحاكم الأوحد للعالم ستكون الأمريكية-الصهيونية.