❗الكاتب والمحلل السياسي يحيى دايخ❗ ❗️sadawilaya❗
16 شباط 2026
إستكملاً في شرح بعض المفاهيم والمصطلحات الإستراتيجية المتحكمة في النظام والسياسات والعلاقات العالمية والدولية، وبعد شرح مفهوم التوازن في إستراتيجية بناء السياسيات الخارجية للدول، وبناءً على طلب بعض المهتمين في شرح وتحليل أبعاد هذه المفاهيم.
سأقوم اليوم بمناقشة وتحليل مفهوم الغرب بالمعنى السياسي من المنظور الأمريكي والأوروبي، والفرق بين هذا المفهوم ومفهوم الغرب بالبعد الجغرافي.
أولاً - الغرب الجغرافي مقابل الغرب السياسي
من المهم التمييز منذ البداية بين مفهومين مختلفين تماماً.
1- الغرب الجغرافي: هو مصطلح قديم يشير إلى نصف الكرة الأرضية الغربي، أي الأمريكتين.
2- في مقابل الشرق الجغرافي الذي يضم أوروبا وآسيا وأفريقيا.
لكن هذا التقسيم لم يعد مستخدماً في الخطاب السياسي المعاصر.
أما "الغرب" الذي نسمع عنه يومياً في السياسة والإعلام، فهو مفهوم سياسي وحضاري وليس جغرافياً.
يشير إلى تكتل من الدول التي تتقاسم قيماً مشتركة تدعي بأنها "الديمقراطية الليبرالية وسيادة القانون وحقوق الإنسان الفردية"، وتنتمي إلى "تحالفات أمنية موحدة" (حلف الناتو)، وتعتمد اقتصاداً رأسمالياً مفتوحاً.
يضم هذا التكتل أساساً دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وأحياناً تُضاف إليه دول مثل أستراليا ونيوزيلندا واليابان وكوريا الجنوبية، رغم أنها ليست "غربية" جغرافياً.
في المقابل، دول أمريكا اللاتينية هي غربية جغرافياً لكنها لا تُصنّف دائماً ضمن هذا التحالف السياسي.
ثانياً - المنظور الأمريكي مقابل المنظور الأوروبي
رغم التداخل الكبير، هناك فروق دقيقة بين كيفية تعريف الأمريكيين والأوروبيين لمفهوم "الغرب".
1- المنظور الأمريكي يميل إلى إعطاء الأولوية للبعد الأمني والجيوسياسي، فيرى "الغرب" كتحالف استراتيجي تقوده واشنطن لمواجهة الخصوم مثل روسيا والصين.
لهذا السبب، تُعتبر دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية ودولة الكيان المؤقت جزءاً من "العالم الغربي" في العقل الأمريكي، رغم بعدها الجغرافي عن أوروبا.
2- أما المنظور الأوروبي، فيركز أكثر على البُعد الحضاري والقيمي، ويربط "الغرب" بميراث حركات التنوير الأوروبي والحداثة السياسية.
لهذا نجد لدى الأوروبيين حساسية أكبر تجاه الجذور الثقافية والتاريخية للانتماء إلى "الغرب"، مع تأكيد على التعددية والدبلوماسية كأدوات للسياسة الخارجية.
ثالثاً - ما المقصود بتصريح كلينتون عن ترامب؟
عندما انتقدت هيلاري كلينتون ترامب بقولها إنه "خان الغرب"، لم تكن تقصد الغرب كموقع جغرافي، بل المفهوم السياسي-القيمي.
كانت تشير إلى سلوك ترامب "العدواني" الذي رأت فيه تراجعاً عن ركائز هذا التحالف:
- التشكيك في التزامات الناتو.
- الانسحاب من المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف.
- الإشادة بالزعماء الاستبداديين.
- تراجع الخطاب الأمريكي "الداعم للديمقراطية وحقوق الإنسان في السياسة الخارجية".
في رؤية كلينتون و"النخبة المؤسسية الأمريكية"، هذه المواقف تمثل "خيانة" ليس لمصالح أمريكية فحسب، بل لمشروع "قيمي" عابر للقوميات يُعرف بـ"الغرب الليبرالي".
رابعاً - ما مكانة روسيا؟ هل تُعتبر "الشرق"؟
هنا تكمن نقطة شائكة ومهمة، فروسيا ليست جزءاً من "الغرب السياسي" في الخطاب المعاصر، لكنها لا تُصنّف ببساطة كـ"الشرق" أيضاً.
1- جغرافياً، تمتد روسيا على جانبي أوراسيا، وجزء كبير من سكانها وعواصمها التاريخية يقع في أوروبا.
2- ثقافياً، تنتمي إلى الميراث المسيحي الأرثوذكسي الأوروبي، ولها تاريخ مشترك مع أوروبا في مجالات الأدب والفلسفة والفن.
لهذا السبب، ظلت روسيا لقرون تُعتبر جزءاً من "العالم المسيحي" أو "أوروبا الممتدة".
لكن منذ الحرب الباردة، ثم بشكل أوضح بعد غزو أوكرانيا عام 2022، أُعيد تعريف مكانة روسيا في الخطاب الغربي.
لم تعد تُعتبر "غربية" بسبب نظامها المعارض للمشروع الليبرالي الغربي، لكنها أيضاً لا تُصنّف كـ"شرق" بالمعنى التقليدي (كالصين أو الهند أو العالم الإسلامي).
بل أصبحت تُوصف في الخطاب السياسي الغربي بـ"الخصم الاستراتيجي" أو "القوة المعادية للنظام الدولي الليبرالي"، وأحياناً تُستخدم مصطلحات أوروبية-أمريكية مثل "الاستبداد الأوراسي" أو "الإمبريالية الروسية" للتمييز بينها وبين "الغرب الديمقراطي".
3- أما مصطلح "الشرق" في الخطاب الغربي المعاصر، فيُستخدم غالباً للإشارة إلى آسيا (خاصة الصين والهند) أو إلى "الشرق الأوسط" كمنطقة جغرافية-ثقافية متميزة.
وبالتالي روسيا تحتل موقعاً رمادياً، فهي ليست غربية، وليست شرقية بالمعنى الآسيوي، بل تُعتبر حالياً كياناً منافساً و"منبوذاً" من التحالف الغربي، دون أن يُمنح مكاناً واضحاً في ثنائية الشرق-الغرب التقليدية.
خامساً - البعد الجيوسياسي والجيوإقتصادي للتداخل والتناقض بين الغرب السياسي والشرق السياسي وبين إيران ومنظمة البريكس وحلف شنغهاي
في الأبعاد الجيوسياسية والجيو-قتصادية لفهم التوتر بين "الغرب السياسي" والتحالفات البديلة، مع توضيح المكانة المعقدة لروسيا وإيران والمنظمات المذكورة.
1- التحول من الثنائية القطبية إلى تعدد الأقطاب
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، هيمن "الغرب السياسي" بقيادة الولايات المتحدة على النظام الدولي، معتبراً نفسه النموذج الوحيد القابل للتصدير: ديمقراطية ليبرالية، اقتصاد سوقي، ومؤسسات متعددة الأطراف تحت الوصاية الغربية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي).
لكن العقدين الأخيرين شهدا تآكلاً تدريجياً لهذه الهيمنة، ليس بسبب انهيار الغرب من الداخل فحسب، بل بسبب صعود مراكز قوة بديلة رفضت القبول بالهيمنة وبالشروط الغربية كـ"قواعد عالمية"، وبدأت تبني هياكل موازية.
2- روسيا: من "شريك محتمل" إلى "خصم نظامي إستراتيجي"
لم تُعتبر روسيا في التسعينيات جزءاً من "الغرب"، لكنها لم تكن خصماً استراتيجياً بعد. محاولات يلتسين للاندماج في النظام الغربي فشلت بسبب ما اعتبره الكرملين "ازدراءً غربياً" (رفض توسيع الناتو شرقاً كان شرطاً روسياً لم يُحترم).
ومع صعود بوتين، تحولت روسيا تدريجياً إلى قوة مناهضة للنظام الغربي، لكن بحسابات خاصة:
- جيوسياسياً: ترى روسيا أن "الغرب" يهدد وجودها كقوة عظمى عبر توسيع الناتو حتى حدودها، ودعم الثورات الملونة في جوارها (جورجيا 2008، أوكرانيا 2014).
لهذا، تسعى إلى استعادة مجال نفوذ سوفييتي سابق عبر الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي.
- جيواقتصادياً: تعتمد روسيا على سلاح الطاقة (النفط والغاز) كأداة ضغط على أوروبا، لكن عقوبات 2022 بعد غزو أوكرانيا دفعتها إلى إعادة توجيه 80% من صادراتها نحو آسيا، خاصة الصين والهند، في تحول جذري في مسارها الاقتصادي.
وبالتالي روسيا اليوم لا تُعرّف نفسها كـ"شرق"، بل كـ"حضارة مستقلة" أو "قوة أوراسية"، ترفض الثنائية الغربية وتبني خطاباً قومياً محافظاً يعارض "الليبرالية الغربية" التي تصفها بالانحلال الأخلاقي.
3- إيران: الخصم الإيديولوجي منذ 1979
خلافاً لروسيا، كانت إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 خصماً إيديولوجياً للغرب، لا بسبب الجيوسياسة فحسب، بل بسبب رؤية دينية-سياسية التي ترفض الهيمنة الغربية كـ"استعمار حديث".
فإيران لم تكن أبداً تريد الانضمام إلى "الغرب السياسي"، لكنها وجدت في التحالفات البديلة (خاصة مع روسيا والصين) فرصة لكسر العزلة الاقتصادية والعسكرية التي فرضتها العقوبات الغربية.
- جيوسياسياً: إيران وبمساعدة شركائها المباشرين غير المباشرين عبر "محور المقاومة" (العراق ، اليمن، المقاومة الفلسطينية، حزب الله) للحد من الهيمنة وتسلط والنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
- جيواقتصايداً: اعتمادها على النفط والغاز جعلها عرضة للعقوبات، لكن الشراكة مع الصين (اتفاق 25 عاماً 2021) وفرت لها سوقاً بديلاً وتقنيات تجنب العقوبات، بينما التعاون الاقتصادي والعسكري مع روسيا عزز قدراتها الدفاعية.
4- منظمة البريكس: التحدي الاقتصادي للنظام المالي الغربي
تأسست البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا) عام 2009 كمنتدى اقتصادي، لكنها تحولت تدريجياً إلى مشروع جيوسياسي بديل.
التوسع الكبير عام 2024 (بضم إيران، السعودية، الإمارات، مصر، إثيوبيا، إندونيسيا) حوّلها من نادٍ اقتصادي إلى كتلة تمثل 46% من سكان العالم و37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (بحسب تعادل القوة الشرائية).
الهدف الجيواقتصادي الأساسي للبريكس هو تفكيك هيمنة الدولار الأمريكي عبر:
- إنشاء عملة تسوية تجارية مشتركة (مقترح لا يزال قيد النقاش).
- استخدام العملات الوطنية في التبادل التجاري بين الأعضاء (الروبل، اليوان، الروبية).
- بنك تنمية جديد ينافس البنك الدولي، وبنك احتياطي طوارئ ينافس صندوق النقد.
لكن التحدي الأكبر هو التماسك الداخلي: فالمصالح المتباينة بين الصين (المنافس الاقتصادي للهند)، وبين السعودية وإيران (الخصمان الإقليميان)، وبين روسيا (المعزولة غربياً) والدول التي تحافظ على علاقات مع الغرب (البرازيل، الإمارات)، مازالت تجعل من البريكس تحالفاً هشاً أكثر منه كتلة موحدة.
5- منظمة شنغهاي للتعاون: البديل الأمني للناتو
تأسست عام 2001 كرد صيني-روسي على الهيمنة الأمنية الأمريكية، وتضم حالياً الصين وروسيا والهند وباكستان وإيران (انضمت رسمياً 2023) ودول آسيا الوسطى.
تُعرّف نفسها كمنظمة لمكافحة الإرهاب والتطرف، لكن جوهرها الجيوسياسي هو:
- الصين تسعى من خلالها لتأمين جوارها الغربي (شينجيانغ) وتوسيع نفوذها في آسيا الوسطى الغنية بالموارد.
- روسيا تراها مجال نفوذ تقليدي لمنع التمدد الغربي.
- إيران يمكن ان تجد فيها مخرجاً من العزلة الإقليمية.
لكن المنظمة مازالت تعاني من نفس التناقضات: التنافس الصيني-الهندي حول الحدود والتجارة، والتوتر بين باكستان والهند، وضعف المؤسسات مقارنة بالناتو.
لكنها ترمز إلى رغبة جماعية في بناء هيكل أمني مناهضة وبعيداً عن هيمنة واشنطن.
6- التناقضات الجوهرية في "الشرق السياسي"
واقعاً حتى اللحظة المصطلح نفسه مضلل: فللآن لا وجود لـ"شرق سياسي" متجانس يقابِل "الغرب السياسي". فما نراه هو:
1. تحالفات تكتيكية تسعى الى أن تكون إستراتيجية ضد الهيمنة الغربية، لا مشروع حضاري موحد.
- الصين تتعاون مع روسيا اليوم، لكنها تتجنب إغضاب الغرب اقتصادياً.
- الهند عضو في البريكس ومنظمة شنغهاي، لكنها أيضاً عضو في تحالف "كواد" المناهض للصين بقيادة الولايات المتحدة.
2. الجنوب العالمي كلاعب مستقل: دول مثل البرازيل، جنوب إفريقيا، إندونيسيا، لا ترى نفسها في معسكر "شرقي"، بل ترفض الثنائية القطبية وتسعى للاستفادة من المنافسة بين القطبين (الغرب مقابل الصين-روسيا) لتعظيم مصالحها، ما يُعرف بـ"الحياد الإيجابي" أو "البراغماتية المتعددة المحاور".
3. الاستثناء الأوروبي الشرقي: دول مثل بولندا ودول البلطيق، رغم موقعها الجغرافي "شرقي"، تعرّف نفسها كجزء من الغرب السياسي، بينما روسيا، رغم موقعها الأوروبي جزئياً، تُقصى من هذا التحالف لأسباب سياسية.
سادساً - نظام عالمي في مرحلة انتقال مؤلم
نحن لسنا أمام صدام بسيط بين "غرب" و"شرق"، بل أمام تفكك تدريجي "للنظام الليبرالي الغربي أحادي القطبية"، وولادة لنظام متعدد الأقطاب لم تستقر قواعده بعد.
فالغرب السياسي يدافع عن هيمنته عبر العقوبات وإستعمارات جديدة وتوسيع الناتو، بينما تبني روسيا والصين وإيران تحالفات بديلة لكنها مازالت هشة.
بالنتيجة ليست ثنائية جديدة، بل عالم أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع المصالح الوطنية مع الانتماءات الحضارية، وتتحول الجغرافيا إلى مجرد خلفية لصراعات تُحددها القيم والمصالح والقوة، وليس خطوط الطول.
بالتالي مفهوم "الغرب" اليوم هو بناء سياسي وأيديولوجي متحرك، لا علاقة له بالخرائط الجغرافية. وهو يُستخدم كأداة لتعبئة التحالفات وشرعنة السياسات الخارجية.
أما روسيا، فهي حالة خاصة: أوروبية جزئياً في الجذور، لكنها أُبعدت عن "الغرب السياسي" بسبب مواقفها الجيوسياسية ونظامها، دون أن تُصنّف ببساطة كـ"الشرق".
هذا الغموض في التصنيف يعكس تعقيد النظام الدولي المعاصر، الذي لم يعد يناسبه التقسيم الثنائي البسيط بين شرق وغرب.