أوروبا
سعيد محمد
الإثنين 16 شباط 2026
ألقت الحرب في أوكرانيا بظلال ثقيلة على المؤتمر، في ظلّ تعمّق التباين حولها بين واشنطن والعواصم الأوروبية (أ ف ب)
لندن | في قاعات فندق «بايريشر هوف» العتيق في ميونيخ جنوبي ألمانيا، حيث اجتمع القادة الأمنيون من حول العالم، بدت نسخة مؤتمر الأمن لعام 2026، وكأنها تدشّن حقبة جيوسياسية جديدة بالكامل. فبعد أربع سنوات من تحذيرات واشنطن للقارة العجوز من الخطر الروسي الداهم، انقلبت الأدوار بصورة درامية؛ إذ وقف القادة الأوروبيون لتحذير الولايات المتحدة من تبعات سياساتها، رافعين - في ما يمثّل تحوّلاً استراتيجياً عميقاً - شعار «تقليل المخاطر» الذي كان يُقصد به في السابق تقليص الاعتماد الاقتصادي على الصين وسلاسل التوريد الروسية، ولكن هذه المرّة للتعامل مع المخاطر الآتية عبر الأطلسي من ناحية الحليف الأميركي.
وقاد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، ذلك التوجّه في ميونيخ، منتقداً بصراحة نادرة اعتماد أوروبا المفرط والمديد على مظلّة الحماية الأمريكية. وعكس خطاب ميرتس قناعة متزايدة لدى العديد من العواصم الأوروبية بضرورة الاستعداد لسيناريوات تعمل فيها الولايات المتحدة وفقاً لمصالحها المنفردة، بمعزل عن التزاماتها التقليدية تجاه القارة. كما شهدت أروقة المؤتمر نقاشات جانبية وعلنية جادلت حول ضرورة بناء «كتلة صلبة» أوروبية، قادرة على الردع والمواجهة منفردة إذا لزم الأمر.
وفي خطوة أولى على طريق ترجمة هذا التحوّل الجذري، أعلن ميرتس إطلاق محادثات مكثّفة مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، حول توسيع المظلة النووية الفرنسية لتشمل حماية الأراضي الألمانية. وتمثّل هذه المبادرة تجاوزاً لمحرّمات استراتيجية استمرّت لعقود، حيث كانت برلين تعتمد كلياً على المظلّة النووية الأميركية ضمن إطار «حلف شمال الأطلسي» (الناتو). كما يُظهر التحرك الألماني قلقاً عميقاً من احتمال تردّد واشنطن في «المخاطرة بنيويورك من أجل حماية برلين» في أي مواجهة مستقبلية. ورغم تأكيد المستشار الألماني أن أي ترتيبات ستكون منسّقة مع «الناتو»، إلا أن ذلك التحرك يهدف إلى الاحتفاظ بـ«بوليصة تأمين» أوروبية خالصة، تضمن الردع في حال غياب أو تراجع الدور الأميركي.
ومن الجليّ أن الخلاف الدبلوماسي الحاد حول جزيرة غرينلاند كان له دوره في تسريع وتيرة هذا التباعد بين جانبَي الأطلسي. فالمطالب الأميركية المتجددة، والتي عبّر عنها الرئيس دونالد ترامب، بسيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة التابعة للدنمارك لأسباب أمنية، أثارت حفيظة الأوروبيين الذين اعتبروها مساساً بالسيادة، ودفعتهم إلى التكتّل خلف كوبنهاغن. وكانت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميت فريدريكسن، عبّرت عن هذا التوجّه، بدعوتها أوروبا إلى تبني «عقلية حال الطوارىء»، نظراً إلى أن القارة تواجه «نظاماً عالمياً جديداً»، ستكون فيه القوة المحض هي العملة الوحيدة القابلة للصرف، معتبرة أن «الدول التي تعجز عن حماية نفسها ومواردها وسيادتها تواجه خطر الفناء السياسي».
يبدو أن التحالف الأطلسي التاريخي العتيد دخل مرحلة إعادة هيكلة إجبارية
في المقابل، حاول وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، احتواء المخاوف الأوروبية عبر خطاب اتّسم بلهجة دبلوماسية دافئة، مغايرة تماماً للحدة التي ميزت خطاب نائب الرئيس جي دي فانس في نسخة العام الماضي من المؤتمر. وركز روبيو على الروابط التاريخية والثقافية، واصفاً الولايات المتحدة بأنها «ابنة أوروبا»، ومستدعياً «إرثاً حضارياً مشتركاً» يجمع ضفّتَي الأطلسي. ومع ذلك، حمل الخطاب تأكيداً لثوابت إدارة ترامب الجديدة. إذ تحدث الوزير عن «التهديد الحضاري» الذي تشكله «الهجرة الجماعية»، وضرورة أن تتحمّل الدول الأوروبية مسؤولية الدفاع عن نفسها بشكل كامل في المجالات التقليدية. كما غابت عن خطابه أي تعهدات صريحة بخصوص مواجهة روسيا أو تحذيرات إلى الكرملين، وهو ما التقطه الدبلوماسيون الأوروبيون كإشارة دالة على أولويات واشنطن الجديدة التي تركز على الداخل الأميركي والمنافسة مع الصين، تاركة لأوروبا عبء التعامل مع التهديد الروسي المباشر.
أما الحرب في أوكرانيا، التي تدخل عامها الخامس، فألقت بدورها بظلال ثقيلة على المؤتمر، في ظلّ تعمّق التباين حولها بين واشنطن والعواصم الأوروبية. فبينما تدفع إدارة ترامب نحو إنجاز «صفقة» لإنهاء الحرب، يخشى القادة الأوروبيون من أن تؤدي أي تسوية «متعجلة وسيئة» إلى تشجيع روسيا على المزيد من التوسع المستقبلي. وفي هذا السياق، حذر الرئيس التشيكي، بيتر بافل، ورئيسة وزراء الدنمارك من أن أي اتفاقيات سلام هشة ستكون مجرّد مقدمة لعدوان جديد. كما أصر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، على ربط أي عملية سياسية أو انتخابات في بلاده بوقف إطلاق نار شامل ومستدام، رافضاً الضغوط لإجراء عمليات اقتراع تحت القصف.
وفي ما بدا ترجمة عملية لهذا التباين، بدأ عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا والمملكة المتحدة، تعزيز التعاون الصناعي العسكري المباشر مع أوكرانيا، بما يشمل مشاريع لتصنيع الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، وذلك استعداداً لاحتمال استمرار الحرب لسنوات أخرى، بغض النظر عن الموقف الأميركي. وبدت المملكة المتحدة في صدارة تلك المبادرات الهادفة إلى توحيد الصف الدفاعي الأوروبي؛ وطرح رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، رؤية لـ«تجديد جذري» لعلاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، تتجاوز مرحلة ما بعد «بريكست». ودعا ستارمر إلى تعزيز «القوة الصلبة» الأوروبية، مؤكداً أن بريطانيا ستكون جزءاً لا يتجزأ من الأمن الجماعي للقارة. كما دعا إلى توحيد المشتريات الدفاعية وتقليل التشتت في الصناعات العسكرية الأوروبية، مشدداً على أن أوروبا مجتمعة يجب أن تمتلك القدرة على الردع والقتال إذا لزم الأمر، وأن الاعتماد على الذات هو الضمانة الوحيدة للاستقرار في عالم مضطرب.
يالنتيجة، يبدو أن التحالف الأطلسي التاريخي العتيد دخل مرحلة إعادة هيكلة إجبارية. إذ لم تعُد أوروبا تنظر إلى الاستقلال الاستراتيجي كرفاهية فكرية أو طموح فرنسي قديم، بل كضرورة وجودية تمليها المتغيرات في واشنطن والتهديدات من الشرق. وعليه، فإن النسق الجديد للعلاقة سيقوم على الشراكة الانتقائية والواقعية السياسية؛ حيث ستبقى الولايات المتحدة دائماً حليفاً مهماً، لكنها لم تعد الحامي الأوحد أو الضامن التلقائي للأمن الأوروبي. وبينما تتجه واشنطن إلى التركيز على أولوياتها الداخلية وصراع القوى العظمى في المحيط الهادئ وإخضاع حديقتها الخلفية في أميركا الجنوبية، تجد أوروبا نفسها أمام مهمّة بناء درعها الأمني الخاص، وصياغة مصيرها بيدها.