قراءة في حلقة ميخائيل عوض
تاريخ الحلقة: 09.02.2026
ملخص مكثف للحلقة:
في هذه الحلقة لبنان لا ينهار فجأة، بل يُساق إلى الانهيار بوعي.
ما يجري ليس أزمة، ولا سوء إدارة، ولا عجزًا ظرفيًا، بل قرارًا سياسيًا مكتمل الأركان حوّل الدولة إلى سلطة، والسلطة إلى غنيمة، والبلد إلى أرض مستباحة.
الجنوب يُقصف ويُفرَّغ، والشمال يُترك لينفجر. بينهما دولة غائبة، أو بالأحرى دولة قرّرت أن تغيب.ما يحدث في طرابلس وباب التبانة ليس تفصيلًا هامشيًا، ولا حادثًا إنشائيًا، بل إنذارًا استراتيجيًا. حين تسقط الأبنية على ساكنيها، وحين تعلن مدينة كاملة نفسها منكوبة، فذلك يعني أن الانهيار خرج من التقارير إلى الشارع، ومن التحليل إلى اللحم الحيّ.
لبنان اليوم بلا وظائف سيادية
لا حماية، لا ردع، لا تخطيط، لا رعاية اجتماعية.
الدولة لا تحكم، بل تُدير الوقت الضائع، فيما تُستكمل استباحة الأرض والناس من الجنوب إلى الشمال.
الأخطر ليس في الغليان الشعبي، بل في الفراغ.
حين تُترك المجتمعات وحدها، تتحوّل المأساة إلى فعل، واليأس إلى طاقة غير منضبطة، والشارع إلى بديل عن الدولة الغائبة.
وما يجري ليس خافيًا القصف، الاغتيال، الخطف، منع العودة، تدمير الزراعة، وانهيار المدن… كلّه يحدث على مرأى الجميع، وبغطاء دبلوماسي اسمه “حماية لبنان”، فيما الواقع يقول إن لبنان متروك. لهذا أمل اللبنانيون العودة إلى القديسين ورميات الله المباركات لأن السياسة أغلقت كل الأبواب.
قبل أن نبكي على لبنان الذي كان، علينا أن نعترف: لبنان يُدفع اليوم نحو لحظة لا رجعة بعدها.
والسؤال لم يعد إن كان سينهار…
بل من سيبقى واقفًا عندما يكتمل السقوط.
مقدمة:
لم يعد السؤال في لبنان: هل ينهار؟ بل: كيف، ومن أين، وبأي سرعة؟
في هذه القراءة، لا يتعامل ميخائيل عوض مع لبنان بوصفه دولة تمرّ بأزمة، بل كـ كيان فقد وظائفه الأساسية، ونظام استنفد قدرته على الاستمرار، وسلطة تحوّلت – بوعي وتصميم – من أداة حكم إلى أداة تسلّط، ومن دولة إلى غنيمة.
أولا": من الدولة إلى السلطة: الانهيار بوصفه قرارًا
لبنان تحكمه سلطة لا دولة، الفارق الجوهري الذي يضعه عوض في صلب التحليل هو التمييز بين الدولة والسلطة.
الدولة وظيفتها: حماية، أمن، خدمات، تنظيم، تخطيط، رعاية المجتمع.
أما السلطة – كما يصفها – فهي تسلّط: حفنة من جماعات ولوبيات وعصابات سياسية وضعت يدها على البلاد، وأدارتها على هواها، لا على أساس المصلحة العامة.
هذا التحوّل لم يكن عفويًا، ولا نتيجة صدفة تاريخية، بل نتاج قرار واعٍ شاركت فيه المنظومة كاملة، بكل أطيافها السياسية والطائفية، خلال العقدين الأخيرين.
قرار حوّل لبنان من نموذج فريد في التعدد والتلاقي، إلى أرض مستباحة بكل ما تعنيه الكلمة.
ثانيًا: الاستباحة: من الجنوب إلى الشمال
الاستباحة الإسرائيلية ليست توصيفًا إعلاميًا، بل واقعًا ماديًا يوميًا من اغتيالات، خطف، قصف، منع عودة الأهالي إلى قراهم. رشّ مبيدات سامة على طول الحدود الجنوبية لمنع الزراعة والعيش.
كل هذا بظل غياب كامل للدولة عن حماية الأرض والناس.
ثالثًا: العاصفة آتية من الشمال الحلقة الأضعف… والشرارة الأخطر
يرى عوض أن العاصفة القادمة من الشمال ليست مجازًا، بل احتمالًا واقعيًا تدعمه المؤشرات، بعد تكرار حادثة انهيار مبنى سكني على رؤوس ساكنيه وإعلان المسؤولين طرابلس منطقة منكوبة.
ويطرح عوض مقارنة دقيقة بين الحالة الشعبية في الجنوب والحالة في الشمال. في الجنوب، ثمّة عنصر ضبط عقائدي واجتماعي يخفّف الانفجار، رغم عمق الألم.
أما في الشمال… فالصورة مختلفة تمامًا.
طرابلس، المدينة التي شكّلت تاريخيًا عاصمة الاقتصاد،
عاصمة الفقراء،نموذج الوحدة الوطنية،ورمزًا للمقاومة ضد الغزاة من الفرنجة والصليبين
تُترك اليوم لتنهار حرفيًا فوق رؤوس سكانها.
انهيار الأبنية في باب التبانة ليس حادثًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لنهب أموال البلديات،
لتجفيف الموارد،لحرمان الموظفين والجيش من حقوقهم، ولمنع السكان من ترميم بيوتهم بفعل السياسات المالية والمصرفية.
والأخطر أنه حين تعلن بلدية طرابلس المدينة منكوبة، وتقدّم استقالتها، فهي لا تعلن فشلها، بل فضح فشل الدولة.
رابعًا: الغليان الاجتماعي: حين تتحوّل المأساة إلى فعل
التحليل هنا لا يذهب إلى التخويف، بل إلى قراءة سلوك المجتمعات تحت الضغط.
وإن كانت هبّة شباب باب التبانة
أمس عفوية،غير مؤدلجة،
غير منظمة، لكنها وفق عوض صادقة وخطيرة في آن.
وحين تُكسر الحواجز، ويُحاصر نواب ووزراء، فهذه ليست فوضى، بل إنذار مبكر.
إنذار بأن الشمال يغلي، وأن غياب الدولة سيُملأ بردّات فعل شعبية قد تخرج عن السيطرة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي
ليس في “الخلايا النائمة” ولا في “الدواعش”، بل في الفراغ.
خامسًا: بين براك ونتنياهو: الخارج يستثمر الداخل
لا يفصل عوض بين الانهيار الداخلي والسياق الإقليمي.
لبنان – في هذا التحليل – جزء من لوحة أكبر تُدار هندسيًا
نتنياهو ينفّذ مشروع الاستباحة العسكرية والأمنية. توماس براك يُمثّل إدارة الفوضى سياسيًا وماليًا.
أما الدولة اللبنانية، من مطارها إلى مصرفها المركزي، تستجيب تحت عنوان “الدبلوماسية”.
في هذا السياق، تتحوّل السيادة إلى شعار، والدبلوماسية إلى غطاء، والدولة إلى واجهة فارغة. ويرى عوض أن هذه وصفة التفكيك المكتملة الأركان.
وهنا يرى عوض أنهاحين تعجز الدولة أو بالأدق حين تتخلى عن مهامها وتكون أداة بيد توماس ونتنياهو عن سبق تصور وتصميم، و تعجز عن حماية الجنوب،وعن إنقاذ الشمال،
وعن تأمين الحد الأدنى من وظائفها،
ليس للبنانيين إلا العودة إلى القديسين ورميات الله المباركات بوصفها الملاذ الأخير.
ويطلق عوض عبارة “لم يبقَ للبنانيين إلا أنت”…ليست دعاءً فقط، بل إدانة كاملة لمن أوصل البلاد إلى هذا الدرك فلا حل إلا بمعجزة.
الخاتمة: قبل أن نبكي فعلًا
لبنان اليوم لا يقف على حافة الانهيار؛ هو داخل مساره.
ماذا يحدث إذا انهار مبنى آخر في طرابلس؟ماذا لو خرج الشمال عن سيطرة السلطة؟
من يملأ الفراغ؟وبأي منطق؟
هذه ليست نبوءة سوداء، بل قراءة لما يجري أمام أعين الجميع. قبل أن نبكي على لبنان الذي كان، علينا أن نواجه حقيقة لبنان الذي يُترك لينهار.
بتاريخ: 10.02.2026
لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط
https://youtu.be/OQDj0uvNpU?si=XLF74iKOQMTq1jf9