
دولة الرئيس.
حضرات الزملاء.
لنا في البداية حديثٌ قصير في الموازنة العامة وما يتصل بها. ومن ثم نقارب الوضع السياسي العام في البلاد، وما يطرحه من تحديات ويستدعيه من مواقف وأسئلة.
أولاً: في حديث الموازنة والمالية العامة.
يمكن القول ببساطة وإختصار أن الموازنة العامة للعام 2026، تمثل إستمراراً لسياسة تصحيح إيرادات الدولة التي حكمت موازنات ما بعد الإنهيار في العام 2019. إلا أن وتيرة هذا التصحيح الذي وضعت له لجنة المال والموازنة معياراً لم تسمح بتجاوزه، وهو ال46 ضعفاً فيما يتعلق بالضرائب والرسوم، بات بالفعل متجاوزاً في موازنة العام 2026، دون أن يقترن بتصحيح متوازن لدخل موظفي القطاع العام الذي لم يتجاوز ال13 ضعفاً، فضلاً عن الإرتفاع الهائل بمعدلات التضخم، الأمر الذي عمَّق الفوارق وسمح للمشكلة الناتجة عن أثار الإنهيار بالإستمرار بشكل حاد.
لقد خلت فذلكة الموازنة من التحليل الماكروـ إقتصادي للواقع الإقتصادي العام في البلاد، وبالتالي دور الموازنة في التأثير على هذا الواقع سلباً أو إيجاباً،فكان أن مرَّت الفذلكة بشكل مقتضب جداً على الجزء الثاني من الموازنة المتعلق بالإنفاق الإستثماري مع ربطه بالقروض الخارجية حصراً دون التطرق إلى تبعات ذلك على المديونية العامة وتحريك عجلة النمو الإقتصادي.
وتوقعت الفذلكة حجم الناتج المحلي للعام 2025 حوالي 32,8 مليار دولار، على أن يرتفع إلى 36,2 مليار دولار في العام 2026 بمعدل نمو 3,5 مع تراجع معدل التضخم من 15% إلى 8%. علماً أن تقديرات البنك الدولي، تقل عن ذلك، حيث تتحدث عن حوالي 28 مليار دولار للعام 2025 .
إن الملاحظة الأساس في هذا الإتجاه، أن الفذلكة لم توضح دور الموازنة الإقتصادي والإجتماعي في التحكم أو التأثير بهذه المؤشرات، حيث من المعروف أن للموازنة العامة دوراً أساسياً سواء في تحريك النمو الإقتصادي أو توزيع المداخيل وإتجاهات التجارة الخارجية .
وهذا لم يظهر في أي قسم من الفذلكة.
ومن المعتاد، أن المقاربات الثلاث في إحتساب الناتج، أي مقاربة الإنفاق ومقاربة الدخل ومقاربة الإنتاج، كلها على تماس مباشر بالموازنة سواء لناحية التأثير في الإستهلاك أو الإستثمار أو عبر التكليف الضريبي أو تسهيل الصادرات.
وعند قراءة الفذلكة، نراها تخلو من أية رؤية تنموية أو مشروع مالي لمعالجة الركود الإقتصادي وتنشيط العجلة الإقتصادية في البلاد، لكنها بالمقابل تقدِّم صورة أولية تكاد تكون متكاملة لأوضاع المالية العامة ومكامن الخلل والثغرات، مع تقديم تصورات محدودة لكيفية معالجتها، وإعادة عملية إدارة المال العام إلى مساره الطبيعي.
ونلاحظ كذلك، في أرقام ذات دلالة، أن حصيلة الضرائب إرتفعت بنسبة 150% على الرواتب والأجور وبنسبة 160% على رسوم الميكانيك.
لكن حصيلة ضريبة الدخل على الأرباح تراجعت أكثر من النصف، أي بمعدل 59%.
ذلك أن قيمة الضرائب على الرواتب والأجور إرتفعت من حوالي 8488 مليار في موازنة 2025 إلى أكثر من 20175 مليار في مشروع موازنة 2026، فيما إنخفضت ضريبة الدخل على الأرباح من حوالي 22 الف مليار في موازنة 2025 إلى 11827 مليار في مشروع موازنة 2026، وبذلك صارت حصيلة الضريبة على الرواتب والأجور تساوي تقريباً ضعف الضريبة على الأرباح، فيما كانت تساوي أقل من 30% منها، الأمر يشير بالمحصلة إلى تعميق الشرخ الإجتماعي وزيادة التشوهات في توزيع الثروة على المواطنين لمصلحة الأثرياء على حساب أصحاب الدخل المحدود.
كما يلاحظ تدني إيرادات تسوية الأملاك البحرية من 2685 مليار ليرة لبنانية ( أي ما يعادل 30 مليون دولار)، إلى 1085 مليار ليرة لبنانية ،( أي ما يعادل 12 مليون دولار امريكي تقريباً).
ما يوجب طرح السؤال حول السبب، خاصة في ظل ما يتم تداوله وما يعرفه الوزير جيداً، في أن فقط 40% يسددون ما عليهم من غرامات إشغال الأملاك البحرية، في حين أن الباقين يمتنعون، فيما هم يستمرُّن بإشغالهم للأملاك البحرية.
بالخلاصة أود أن أشدد على.
أنه يجب أن تقارب الحكومة بالتعاون مع البرلمان، إستحقاقات العام 2026، بوصفهامحطة مفصلية للإنتقال من الموازنة التصحيحية إلى الإعداد لموازنة إصلاحية،بهدف البدء فعلاً في تصفية أثار أزمة الإنهيار الماليـي والإقتصادي، بالتزامن مع ملفات كبرى يجب إطلاق مساراتها التنفيذية وهي:
ثانياً ـ في الوضع السياسي العام:
ربما، لم تمر على لبنان، حالة تفوق هذه الحالة خطورة ومعاناة، وقد يلتقي قسم كبير من اللبنانيين على هذا التقدير، لكن من ناحية الكيفية التي يجب أن نواجه عبرها هذه المرحلة بمخاطرها وتحدياتها، ثمة مقاربات عدة يختلف اللبنانيون حولها.
وبمعزل عن تقدير مدى الخطورة من الناحية السياسية، أو الإختلاف حول المقاربة الملائمة في مواجهة تلك المخاطر. فإن جزءاً واسعاً من الشعب اللبناني، مناطق ومجتمعاً ومصالح وحياة، باتت في وضعية إستهداف يومي ومعاناة دائمة، قتلاً وتدميراً وإستنزافاً وتهجيراً وإفقاراً من قبل العدو الإسرائيلي ورعاته.
لكن على الرغم من كل ذلك، يمضي هذا المجتمع المستهدف، بكل ثبات وشموخ، دفاعاً عن أرضه وأمنه وحريته وكرامته، وفياً لدماء شهدائه وتضحياتهم...
إننا، كتلة الوفاء للمقاومة، ننتمي لهذا المجتمع، في إطار إنتمائنا الوطني الأوسع، ونحن نعتز بتمثيلنا لهذا المجتمع في الندوة البرلمانية.
لقد أظهرت حصيلة الأصوات التي نالتها لوائح الثنائي الوطني وحلفائه حجم الكتلة الشعبية التي تتبنى ثوابت ومواقف هذا الثنائي الوطني، كما أظهرت الوزن الحقيقي لفاعليته وحضوره، وهذا لا يدعو بتاتاً، إلى التشوُّف السياسي أو التباهي الحزبي، بل إلى مجرد جذب الإنتباه، والتحذير من سوء التقدير وقلة الإكتراث.
إن المسألة كبيرة؟ نعم كبيرة، وجدية؟ نعم في غاية الجدية، وحساسة؟ نعم شديدة الحساسية، ومصيرية؟ حتماً مصيرية.
ولأنها كذلك، فهي لا تحتمل المداهنة أو المجاملة، بل تستدعي الحوار والمصارحة، وهي لا تحتمل الخفة في إطلاق المواقف أو سوء التقدير في الحسابات، بل تفرض أعلى درجات الدقة والتروي والحكمة والمسؤولية.
وهي لا تحتمل مواجهتها بتعميق الإنقسامات وإطلاق الصراعات الداخلية، بل تستدعي، على النقيض من ذلك، إحتواء الإنقسامات، ووأد الصراعات، وتعميق التفاهمات.
ثمة إنقسام حول موضوع السلاح، تختلف منطلقاته وتعبيراته بين نزع وحصرية وإحتواء ومعالجة..
ما تجدر ملاحظته في تحديد هذه الإتجاهات هو التالي:
1- إتجاه يطالب الجيش اللبناني بنزع السلاح ولو بالقوة، ويجاهر بالرهان على الدور الإسرائيلي للتخلص من المقاومة، ويُعطي لإسرائيل الحق في القيام بأعمالها العدائية، من قتل المواطنين أو تدمير بيوتهم، ما دامت المقاومة لم تُسلم سلاحها، ويرفض هذا الاتجاه تحت ذرائع شتى، إعادة إعمار المناطق التي دمَّرها العدوان الإسرائيلي.
هذه المواقف، وردت على لسان مسؤولين يمثلون هذا الإتجاه في مواقع حزبية أو رسمية، وهي دون مواربة، تدفع بإتجاهصدام داخلي ، وتستقوي بالعدو، وتتبنى رؤيته، وتبني موقفها تجاه إعادة الإعمار على اسس الكراهية وليس الشراكة والتضامن الوطني.
إن مقاربة هذا الإتجاه، خطيرةوصدامية، ولا تكترث بمعايير الشراكة الوطنية، وتعبث بالإستقرار الداخلي، وتستقوي بالخارج لتصفية حسابات سياسية.
2- إتجاه السلطة، الذي يأخذ مساراً تصاعدياً، في الإستجابة للشروط الأميركية ـ الإسرائيلية، والرضوخ للضغوط التي تُمارس عليها، دون أن يسجِّل هذا المسار أية مكاسب وطنية، أو منجزات في حماية المواطنين اللبنانيين أو تحرير المواقع المحتلة أو إيقاف الأعمال العدائية، أو إطلاق الأسرى اللبنانيين.
وبالمقابل يزداد الإسرائيلي تغوُّلاً وتصعيداً، وتلاقيه السلطة، باستراتيجيةتفاوضية رخوة وتنازلية تفرِّط بالثوابت، وتوحي بالإستعداد إلى ما هو أبعد.
وما يشكل أخطر، ما ينطوي عليه هذا المشهد، هو أن الإسرائيلي، لم يعطِ أية ضمانة أو موقفاً، ينطوي على الإستعدادللإنسحاب النهائي من أرضنا أو إحترام السيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً، أو إيقاف الإغتيالات ، حتى في حال الإستجابة لشروطه.
ولهذا، فإن الموضوع برمته، يبدو، وكأنه مسار متتالٍ ومركَّب من التراجع والتنازل فالرضوخ والإستسلام ، دون أية مكتسبات أو إنجازات، فضلاً عن التأثير السلبي لهذا المسار على الإستقرار الداخلي نفسه.
3- إتجاه المعالجة، الذي تطرحه المقاومة وحلفاؤها، ويقوم من الناحية الفعلية والسياسية، على مجموعة من الوقائع والإجراءات العملية، والإلتزاماتالسياسية.
إن ما قامت به المقاومة، منذ 27 تشرين ثاني 2024، يشكِّل مساراً متكاملاً وعقلانياً ومسؤولاً، في التعاطي مع التحُّولات التي عصفت بلبنان والمنطقة. لقد إلتزمت إلتزاماً صارماً بوقف إطلاق النار، وطبقت القرار الدولي 1701 جنوب نهر الليطاني رغم عدم إلتزام العدو بأي موجب عليه من موجبات الإتفاق، وفوَّضت الدولة أمر إدارة الشأن السيادي ، وصولاً إلى إنهاء العدوان ومعالجة نتائجه، وأحالت كل ما يتصل بشماليالنهر إلى التفاهم الداخلي كشأن سيادي لبناني يعالج في إطار إستراتيجية الأمن والدفاع الوطني، وأكدت مراراً على الوظيفة الدفاعية للمقاومة في إطار الحق المشروع للشعب اللبناني في الدفاع عن نفسه. ودعت الدولة اللبنانية للتمسك بالثوابت الوطنية وهي:
لقد دعونا الدولة مراراً، إلى أن تعلِّق معالجة كل الخطوات اللاحقة في إطار المصلحة اللبنانية، والتي تُمارس الضغوطات الخارجية والداخلية بشأنها، على شرط مسبق ألا وهو التزام العدو الإسرائيلي بما لم يلتزم به وفقاً للقرار 1701 وإعلان وقف إطلاق النار.
لقد دعونا مراراً إلى ضرورة ثبات الموقف الرسمي اللبناني وعدم تفريطه بمرتكزات القوَّة لديه والتي تقوم من حيث الإطار القانوني على القرار الدولي 1701، ومن حيث البعد السيادي على حقوق لبنان في أرضه وأمنه، ومن حيث البعد الإنساني الطبيعي على حق الدفاع عن النفس، ومن حيث فاعلية الموقف، على عدم الإستهانة بقدرة الشعب اللبناني على المقاومة.
ومن موقع الإدراك، لأهمية الوحدة الوطنية، في إحتضان الموقف اللبناني وفاعليته، دعونا مراراً كل المكوِّنات والقوى للتعاطي بمسؤولية وإعتبارمواجهة العدوان الإسرائيلي، أولوية وطنية حاسمة، إلا أن إصرار بعض القوى على التناغم مع الخارج والإنضمام إلى جوقة الضاغطين على الموقف اللبناني، شكل نقطة ضعف خطيرة وساعدت على تفعيل وتسويغ الضغوطات على لبنان والأعمال العدائية ضده.
في التحليل العميق لدلالات موقف حزب الله وخلفية أدائه، في التعاطي مع المرحلة الجديدة التي دخل فيها لبنان، نلاحظ التسليم بمركزية دور الدولة ومراعاة الخصوصية اللبنانية، دون التفريط بحق الدفاع عن النفس وتوفير مقتضيات حماية الوطن، والتأكيد على الوظيفة الدفاعية للمقاومة.
وإن ذلك يعني بالخلفية أيضاً، أن حزب الله أدرج موقفه بدلالاته المختلفة في سياق معالجة علاقة المقاومة بالدولة في إطار معادلة وطنية متفاهم عليها وأفق سياسي يحمي الإستقرار ويطلق مسار التعافي وبناء الدولة.
في إزاء ذلك كان على القوى المختلفة، وفي طليعتها السلطة، أن تلتقط الدلالات الإيجابية لذلك الموقف، وتأثيراته الهيكلية في إعادة هندسة بيئتي الأمن والإستقرار في هذا البلد، كمنعطف تاريخي في مسار بناء الدولة القادرة والعادلة.
كان على القوى المختلفة وفي طليعتها السلطة أن تُلاقي هذا الموقف، بموقف متفاعل وبناء، إلا أنه للأسف، هذا الأمر لم يحصل، لقد تحوَّل تغوُل العدو وتمرده على القانون الدولي والمبادئ الحقوقية والسيادية والإنسانية أيضاً، إلى ذريعة تعتمدها السلطة اللبنانية في إستراتيجيةِ تفاوض تقوم على التراجع والتنازل،لم تفض إلى أي مكسب وطني، ولم توقف الإغتيالات الجوية اليومية التي يمارسها العدو، ولم تضع حداً لتدمير المنازل والمؤسسات التجارية . والأخطر أنها قد تضع البلد على سكة تحديات متفجرة، وتنزلق به إلى نفق خطير مثل وضع حد لحالة العداء مع العدو، أو إستبدال إتفاقية الهدنة بإتفاقية أمنية جديدة، أو الكلام عن تعاون إقتصادي وتطبيع وصولاً إلى كلام العدو عن إتفاقية تغطي أو تموِّه الإذعان المرفوض.
لم يصدمنا الراعي الدولي الأمريكيلإعلان وقف إطلاق النار حين أكد إنحيازهبل تبنيه للسلوك العدواني الإسرائليخصوصاً حين تماهى عند التطبيق مع موقف العدو، وهندس المسار الإجرائي على قاعدة إعفاء الإسرائيلي من أية التزامات ،والضغط لتطبيق الإتفاق وما يتجاوز الإتفاق من قِبل الطرف اللبناني وحده.
ولقد أضاع الراعي الأميركي بإنحيازههذا الفرصة في لبنان من أجل إطلاق مسار بناء الدولة والإصلاحات بدءاً من لحظة إعلان وقف النار، وتكريس الإستقرار والإنتعاش الإقتصادي، لكنعلى النقيض من ذلك، أدخل لبنان في نفق مظلم، لا يبدو، في المدى المنظور أن ثمة مساراً واعداً للإسراع في الخروج منه.
في البعدين الوطني والطائفي، نحن قلقون وغاضبون، ونريد لقلقنا وغضبنا هذين، أن نترجمهما نصحاً ومسؤولية وإصراراً على التشارك والحوار وإعلاء المصالح الوطنية على أية حسابات أخرى.
في أحد أكثر الدروس خطورة، الذي يعلمنا إياه تاريخ لبنان الحديث منذ زمن القائمقاميتين مروراً بالمتصرفية ووصولاً إلى مرحلة ما بعد العام 1920، تاريخ تأسيس لبنان الكبير، هو أننا من أكثر الأوطان في العالم تداخلاً بين البعدين الجيو ـ إستراتيجي والإستقرار الداخلي.
ثمة مؤشرات عديدة متتالية، تدعو للقلق والحذر، تنطوي على خفةٍ واستسهال واستعداد، لإدراج لبنان في المسارات الجارفة على المستوى الإقليمي، التي يقودها الأميركيون بالتعاون مع الإسرائيليين، وإن ذلك من حيث التلقي والإرتداد الداخليين، بحكم الخريطة السياسية، سيتركان إنقسامات عميقة وحادة، ولأن لهذه القضايا طبيعة مصيرية وميثاقية، فإنها ستضع الإستقرار الداخلي أمام إختبار شديد الخطورة، مؤسساتياً ومجتمعياً.
إن حماية الإستقرار الداخلي وإنقاذ مسار بناء الدولة والتعافي والإصلاحات، يستدعي النأي بالوطن عن مسارات الخضوع والإستسلام، مهما تكن مسمياتها أكانت إنهاء حالة العداء أم التطبيع أم السلام الموهوم مع العدو.
وإن هذا النأي لا يفرض مطلقاً، حرمان لبنان واللبنانيين من حقهم المشروع في الدفاع عن سيادتهم وأرضهم وحقوقهم ومصالحهم ضمن الإستراتيجية الدفاعية الوطنية التي يتم التوافق عليها وطنياً.
إن ما نتطلع إليه في هذه المرحلة، هو إنسحاب العدو من المواقع التي إحتلهاوإيقاف الأعمال العدائية، وإطلاق الأسرى، واحترام السيادة اللبنانية، كمقدمة لإعادة ترتيب الوضع اللبناني وبالتزامن مع الحاجة لترميم علاقات لبنان العربية، التي نريدها ممتازة ومستقرة، ودون أي تدخل في الشؤون الداخلية، كما نريد سوريا محررة وموحدة ومستقرة، تعبِّر عن جميع مكوناتها، وأن تقوم العلاقات بين الدولتين لبنان وسوريا على أساس التعاون وحسن الجوار واحترام سيادة كل من البلدين وعدم السماح بإستخدامأراضٍ كل منها لإستهداف أمن الطرف الأخر.
في البعد الطائفي، ونظراً لحساسيته وخطورته، ثمة ما يستدعي المصارحة، والتعبير عن الواقع كما هو، بما يحفل من ممارسات خاطئة، تثير المخاوف والهواجس.
لقد أوغلت السلطة في توسعة المجال المستهدف بذريعة قضية السلاح، وعلى النحو الذي يتجاوز قضية السلاح، إلى ما بات يطال بيئة مجتمعية بأكملها.
إن هذه البيئة تتعرض لمحاولات خنق مالي بأدوات محلية رسمية، وفي أحيان كثيرة تتجاوز مساحة الإضطرار التي يفرضها الخارج، وأحياناً بما يتجاوز ضرورات الإحتراز في حدودها الطبيعية، أي أن الأدوات الداخلية ذهبت بعيداً في الإستهداف لبيئة ينتشر مئات الألاف من أبنائها في بلاد الإغتراب، وهم يضطرون لتزويد عائلاتهم بالتحويلات التي تسمح لهم بالعيش الكريم في بلد ضاقت فيه فرص العيش الكريم، فيتم وضع الإشارات من قبل هيئة التحقيق الخاصة على عقارات مواطنين مصنفين على اللوائح الأميركية، لكنهم غير مصنَّفين على اللائحة الوطنية التي عليها أن تعود إلى تعريف الإرهاب الوارد في التشريع اللبناني وفقاً للقانون.
كما يتم إقفال حسابات أفراد وجمعيات يهتمون بالأنشطة الخيرية دون أي بعد حزبي أو سياسي، وتقوم هيئة التحقيق الخاصة بتحويل ملفات مئات حسابات رجال الأعمال وأصحاب الشركات ، على القضاء، الأمر الذي يشكل بذاته قضاء على مصالحهم وأشغالهم، لقد جرى إخراج مئات المؤسسات بما فيها المدارس والمستشفيات خارج النظام المصرفي، وجرى إقفال الاف الحسابات لأفراد غير مصنفين على أي لوائح تختص بالإرهاب أو تبييض الأموال، ولنا أن نتساءل بأي وجه حق ووفقاً لأي مستند قانوني، يتم إقفال حسابات بالعملة الوطنية، ولا صلة لها بالدولار الأميركي أو بالبنوك المراسلة.
لقد أقفلوا النظام المصرفي الرسمي بوجه مؤسسات وجزء كبير من بيئة طائفية لبنانية محددة، ثم راحوا يتحفَّزون للإنقضاض على البدائل الأهلية، التي فرضها الإضطرار والحاجة، والتي وفَّرت شيئاً من التوازن وحداً أدنى من المصالح.
وفي السياق ذاته، يطالعنا وزير العدل بتعاميمه المضطربة، فيدخل بتعميم ثم يخرج من آخر، وهي وإن كانت عامة، لكنها بالأصل تستهدف طائفة محددة ، وهدفها تضييق الخناق عليها.
إن بعض من في الداخل هو ملكي أكثر من الملك في إستهداف بيئتنا، والتعاطي معنا كمكوِّن، بالإستقواء ، بتعقيدات المرحلة بهدف إستضعافنا، والتعاطيوكأننا طائفة مستهدفة.
وإذا ما إستحضرنا إعاقة إعادة الإعمار وتحويلَها إلى شرط للإبتزاز السياسي والأمني، فإن كل ذلك، يشكِّل وقوداً جاهزاً للإشتعال في أية لحظة، وناراً منالإحتقان الإجتماعي تحت رماد الواقع السياسي المضطرب وغير المستقر.
لقد أغرَقَنا دولة رئيس مجلس الوزراء بمعيار اللاحزبية عند تشكيل الحكومة، لنجد الحكومة لاحقاً أمام إجتياح المنطق الميليشياوي المتمرد على سياسات الدولة في وزارة الخارجية مثلاً، وتغليب المنطق الحزبي في وزارة العدل، دون أن نلحظ مواقف معلنة وإجراءات من دولة الرئيس لتصويب تلك الأختلالات، في الوقت الذي يقدم وزراء أخرون ومنهم وزراء الثنائي أداء يتسم بالإنضباط الوزاري والحياد البيروقراطي.
ومن ناحية أخرى، لكن بما يعزز الشعور بالإستهداف، يستمر حظر الطيران الإيراني في مطار بيروت، بدون أي مبرر مقنع.
إن هذا الإجراء شديد الخطورة بدلالاته، وأبعاده، تجاه بلد صديق، وتجاه المكوِّن الشيعي، الذي يحتاج بنوه إلى زيارة إيران لأسباب بالدرجة الأولى دينية.
وعلى الرغم من مرور ما يقارب من عام ، يستمر هذا الحَظر دون أي إهتمامبمعالجته، رغم دلالاته السلبية وأبعاده الإستفزازية.
دولة الرئيس:
ماذا يعني كل ذلك؟
إن لبنان على مفترق طرق، فإما أن نُنقذ البلد بالحكمة والمسؤولية وحُسن التقدير والشراكة والشجاعة والشعور بآلام بعضنا البعض، والحوار والتفاهم فيما بيننا. وإما أن يتداعى بين أيدينا جميعاً، في سيادته وأرضه وأمنه وإستقراره ووحدته.
نحن نعتقد إننا قادرون كلبنانيين، علىتجاوز المحنة التي تعصف بلبنان.
لكن بشرط، أن لا تكون السلطة في مكان، والمقاومة وجمهورها العريض العابر للطوائف في مكان آخر، إن هذا هو السيناريو الأخطر، الذي يريده العدو، والذي سينقل المشكلة من كونها مشكلة بين لبنان وإسرائيل، إلى أن تكون مشكلة بين اللبنانيين أنفسهم.
إن ما قدَّمته المقاومة، وعلى الأخص، في جنوبي نهر الليطاني، كبير جداً، وهي في سبيل تسهيل دور الدولة وتعزيزه وتقويته، ومؤازرتها على مواجهة الضغوط، ومساعدتها في تحقيق الأهداف الوطنية في مواجهة العدو، إنما قدَّمت هذا الأداء والتزمت بتلك الإجراءات،التي أساء فهمها كثيرون وإعتبروضعفاًوتراجعاً.
إن الدولة مطالبة بأن تعيد تصليب إستراتيجيتها التفاوضية، من خلال الرسملة على ما جرى تقديمه لبنانياً في جنوبي النهر، والثبات عند هذا الحد، وإعلان التزامها بمعالجة الملفات العالقة بعد إنجاز العدو الإسرائيلي إلتزامه بكل مندرجات إعلان وقف إطلاق النار.
إن ذلك في حال حصوله، سيضع الدولة في وضعية تفاوضية أقوى، وستجد إلى جانبها وخلفها المقاومة في إيقاعٍ متناغمٍ ومتفاهم عليه، وأغلبية الشعب اللبناني، وبالإستناد إلى منطق سياسي وحقوقي عقلاني لا يمكن الإعتراض عليه في إطار القانون الدولي.
أما الفعل الإسرائيلي التصعيدي، إذا ما تواصل وسيتواصل، فيجب أن يصطدم بثبات الموقف اللبناني وأن تتلاشى مفاعيله أمام حق الشعب اللبناني في الدفاع عن نفسه، إذ لا خيار حينذاك إلا الصمود والتصدي.
أما البديل الآخر الذي يقوم على الرضوخ لمطالب العدو وشروطه، فلنتخيَّل كم هو قاتم ومظلم وإشكالي وتداعياته السلبية لا تُحصى، ولا تقف عند حد