مهند ال كزار
لم يعد الخلاف حول رئاسة الوزراء في العراق مجرد تنافس سياسي داخلي، بل تحول إلى ملف سيادي معقد تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية مع التوازنات الإقليمية والدولية، وفي قلب هذا المشهد يقف الإطار التنسيقي أمام اختبار حاسم: هل تدار الأزمة بعقل الدولة ومنطق التسوية؟ أم بعقل الصراع وكسر الإرادات؟
أولًا: الضغوط الخارجية وحدود القرار الداخلي
تنظر الولايات المتحدة إلى رئاسة الوزراء في العراق بوصفها عنصرًا مؤثرًا في المعادلات الإقليمية، لذلك فإن أدوات الضغط لا تمارس عبر فيتو سياسي صريح، بل من خلال مسارات أكثر فاعلية، تبدأ من التشديد المالي والنقدي مرورًا بتقييد حركة الدولار والمصارف، ووصولًا إلى تعطيل غير مباشر لمسارات الاستثمار والدعم الاقتصادي.
هذه المقاربة تجعل أي حكومة قادمة رهينة القبول الدولي بقدر ما هي رهينة التوافق الداخلي، وتضع الإطار التنسيقي أمام حقيقة مفادها أن حسم رئاسة الوزراء لم يعد قرارًا داخليًا صرفًا، بل قرارًا محكومًا بتوازنات أوسع.
ثانيًا: الانعكاسات الداخلية وتفكك التماسك السياسي
في الداخل يؤدي الإصرار على شخص بعينه إلى إرباك بنية الإطار التنسيقي نفسه، ويضعف البيت الشيعي الموحد، كما يعمق حالة عدم الثقة بين مكوناته، هذا المسار يعيد إنتاج الانقسامات السياسية في وقت يفترض أن يكون مخصص لترميم النظام السياسي لا استنزافه.
الأخطر من ذلك أن الشارع العراقي المثقل بالأزمات المعيشية والخدمية، لم يعد قادرًا على تحمل انسداد سياسي جديد، ما يجعل أي صراع طويل داخل النخبة الحاكمة قابلًا للتحول إلى ضغط شعبي غير منضبط.
ثالثًا: التأثيرات الاقتصادية كأداة ضغط
اقتصاديًا يعد هذا المسار الأعلى كلفة، فاستمرار الخلاف السياسي ينعكس مباشرة على استقرار سعر الصرف، ويضعف ثقة السوق، ويؤدي إلى تباطؤ المشاريع وتراجع الاستثمار، فضلًا عن توسع العجز المالي على المدى المتوسط.
هذه التأثيرات لا تطال الطبقة السياسية بقدر ما تصيب المواطن بشكل مباشر، وهو ما يحول الأزمة السياسية إلى أزمة معيشية بامتياز.
رابعًا: المآلات السياسية المحتملة
سياسيًا يقود الإصرار إلى شلل تفاوضي داخل البرلمان وينتج حكومة ضعيفة ومكبلة بالصراعات منذ يومها الأول، ما يحد من قدرتها على الإنجاز ويجعلها عرضة للابتزاز الداخلي والخارجي.
أما إقليميًا، فإن أي حكومة غير متوازنة دوليًا ستواجه عزلة نسبية وبرودًا في العلاقات، وهو ما يضعف الدور العراقي في الملفات الإقليمية ويقلص هامش المناورة السياسية.
وفي حال فشل الإطار التنسيقي في إدارة هذه الأزمة بعقلانية، فإن السيناريوهات الأكثر ترجيحًا تتمثل بانسداد سياسي طويل الأمد، وضغط اقتصادي متدرج لكنه مؤلم، وهي نتائج لا تخدم أي طرف مهما بلغ نفوذه.
خامسًا: خيارات الإطار التنسيقي ومسارات الخروج
أمام هذا الواقع تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة تقوم على الفصل بين الأشخاص والمشاريع، فالحفاظ على نفوذ المشروع السياسي واستقرار الدولة أهم من التمسك بمنصب بعينه، التنازل التكتيكي في هذه المرحلة لا يعني الهزيمة، بل يمثل خيارًا براغماتيًا لحماية المكاسب ومنع الانزلاق نحو أزمة أوسع، الذهاب إلى مرشح تسوية قوي غير مستفز خارجيًا ومقبول داخليًا، وقادر على إدارة التوازنات بدل كسرها، هو المخرج الأكثر واقعية، كما أن توحيد الخطاب السياسي وإدارة الخلافات داخل الأطر التنظيمية لا عبر الإعلام بات ضرورة ملحة، لأن صورة الانقسام أخطر من الانقسام نفسه.
سادسًا: إجراءات ترامب الاقتصادية كأداة ضغط سياسي
في حال استمرار الإصرار وغياب التسوية، من المرجح أن يلجأ دونالد ترامب إلى حزمة إجراءات اقتصادية غير معلنة رسميًا لكنها عالية التأثير تقوم على مبدأ الضغط بلا مواجهة، هذه الإجراءات تبدأ بتشديد إضافي على نافذة بيع الدولار وآليات التحويل الخارجي، وتوسيع دائرة التدقيق على المصارف العراقية، ما ينعكس مباشرة على سيولة السوق واستقرار سعر الصرف.
كما قد تتجه الإدارة الأميركية إلى تجميد غير مباشر لمسارات التعاون الاقتصادي والاستثماري، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنى التحتية، لكن ضمن هوامش مالية أكثر صرامة، هذه المقاربة لا تهدف إلى إسقاط الدولة العراقية، بل إلى إيصال رسالة سياسية واضحة مفادها أن الاستقرار الاقتصادي مشروط باستقرار القرار السياسي.
سابعًا: مستقبل الإطار التنسيقي في ظل تشنج العلاقة بين أطرافه
يمر الإطار التنسيقي بمرحلة دقيقة تعيد طرح سؤال وجوده ووظيفته السياسية؟ فالتشنج المتصاعد بين أطرافه لا يهدد وحدته التنظيمية فحسب، بل يضرب فلسفته التي تأسس عليها بوصفه إطارًا لإدارة الخلاف لا تعميقه، ومع انتقال الخلاف إلى الفضاء الإعلامي، تتآكل الثقة المتبادلة ويزداد خطر تحول الإطار من مظلة تنسيق إلى ساحة صراع مفتوح.
وفي حال استمرار هذا التشنج دون معالجة قد يواجه الإطار التفكك التدريجي أو البقاء الشكلي بوصفه كيانًا فاقدًا لفاعليته، أما الخروج الآمن فيتطلب إعادة تعريف الأولويات والانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن إدارة النفوذ إلى إدارة الدولة.
ثامنًا: تحريك الشارع والمخاطر المرتبطة على ذلك
استخدام الشارع كأداة ضغط سياسي خصوصًا في هذا التوقيت الحرج، يحمل مخاطرة كبيرة، فهو يحول الخلاف السياسي من إطار تفاوضي إلى صدام محتمل مع المجهول، ويضع الإطار التنسيقي أمام تحدٍ مزدوج، إدارة الأزمة السياسية داخليًا ومنع تحولها إلى أزمة أمنية أو اجتماعية.
هذا الاستغلال للشارع يرفع منسوب التوتر، ويزيد من احتمالية انزلاق الوضع إلى مواجهات غير محسوبة، ويجعل كل طرف داخل الإطار مطالبًا بالضبط الدقيق لتوازنه بين دعم قواعده الشعبية من جهة، ومنع استغلال الشارع لغايات تضارب النفوذ من جهة أخرى.
إدارة هذا الملف تتطلب نهجًا حذرًا قائمًا على ضبط الخطاب الإعلامي والسياسي، والحرص على بقاء الاحتجاجات في إطار قانوني وسلمي، مع التركيز على إيجاد مخرج تفاوضي سريع لتقليل احتمالات التصعيد.
تاسعاً : هل ينجو الإطار أم يعاد تشكيله؟
المسار الذي ستتخذه الأزمة الحالية لن يحدد فقط اسم رئيس الوزراء المقبل، بل سيحدد شكل الإطار التنسيقي نفسه في المرحلة القادمة، فإما أن ينجح في تحويل هذه اللحظة إلى نقطة مراجعة تؤسس لمرحلة أكثر نضجًا في إدارة الخلاف، وإما أن يستمر في استنزاف ذاته عبر صراعات تفقده القدرة على القيادة.
في السياسة، الكيانات التي تعجز عن التكيف لا تنهار فجأة بل تتآكل تدريجيًا، والرهان الحقيقي اليوم ليس على من يربح معركة المنصب، بل على من يمتلك الشجاعة لإعادة تعريف دور الإطار بوصفه أداة استقرار لا ساحة صراع.
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية
٢٠٢٥/١/٢٩