❗️sadawilaya❗
🖋️كتب الباحث السياسي جواد سلهب
على مدى سنوات طويلة، لم يكن التفاوض الذي خاضته إيران مع الولايات المتحدة والغرب مجرّد مسار دبلوماسي تقليدي، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع لإدارة الصراع بأدوات متعددة. ففي الوقت الذي تعامل فيه الغرب مع التفاوض بوصفه وسيلة لانتزاع تنازلات، نظرت إليه إيران كأداة لشراء الوقت، وإعادة ترتيب الأولويات، وبناء عناصر القوة بهدوء ومن دون ضجيج.
خلال تلك السنوات، كانت طاولات التفاوض تتحرّك ببطء، بينما كانت الوقائع على الأرض تتغيّر بسرعة. تغيّرت إدارات في واشنطن، وتبدّلت مواقف في أوروبا، واهتزّ النظام الدولي أكثر من مرة، فيما استثمرت إيران هذا الزمن في تعزيز قدراتها الذاتية، وتطوير بنيتها العلمية والتكنولوجية، وتحصين موقعها الإقليمي. لم يكن ذلك نتيجة صدفة، بل ثمرة فهم عميق لطبيعة الصراع وطول نَفَسه.
اليوم، يعود دونالد ترامب ليطرح معادلة مختلفة: لا تفاوض مفتوح، بل «اتفاق مشروط». هذا التحوّل لا يعكس قوة الموقف الأميركي بقدر ما يكشف مأزقه. فترامب، بعقلية الصفقات السريعة، يدرك أن نموذج التفاوض الطويل لم يعد يخدم أهدافه، لأنه منح إيران ما هو أثمن من أي تنازل مكتوب: الوقت. ومن هنا، يحاول الانتقال من مسار التفاوض إلى فرض شروط مسبقة، وكأن القبول بها هو الاختبار الوحيد لجدّية الطرف الآخر.
لكن المشكلة الجوهرية في هذا الطرح أن الاتفاق المشروط يلغي جوهر التفاوض نفسه. فالتفاوض، في المفهوم السياسي، هو اعتراف متبادل بوجود توازن ما، ولو بالحدّ الأدنى. أما الاتفاق المفروض بشروط جاهزة، فهو محاولة لترجمة ميزان قوى لم يعد قائماً كما كان في السابق. لذلك، فإن رفض هذا النموذج لا يُعدّ تعنّتاً، بل تعبيراً عن وعي سياسي بأن زمن الإملاءات قد انتهى.
لقد استخدمت إيران التفاوض سابقاً بذكاء، لا هروباً من المواجهة، بل إدارةً لها. وخلال هذا المسار، انتقلت من موقع الدفاع إلى موقع امتلاك عناصر ردع حقيقية، سواء على المستوى التكنولوجي أو العسكري أو الاستراتيجي. وهذا ما يجعل أي حديث اليوم عن «اتفاق مشروط» متجاوزاً للواقع، لأن الطرف الذي يفاوض من موقع قوة لا يقبل أن يُختزل خياره بين القبول أو الخضوع.
في المحصلة :
لا تفاوض بلا أفق، ولا قبول باتفاق مشروط. فإيران، خلال السنوات التي قيل إنها «ضيّعتها» في التفاوض، كانت في الحقيقة تُراكم القوة وتُحسّن شروطها. واليوم، وهي في مرحلة متقدمة من الجاهزية العلمية والتكنولوجية والردعية، تدرك أن التفاوض الحقيقي لا يبدأ إلا على قاعدة الندية، لا تحت ضغط الشروط المسبقة. وهذا بالضبط ما يميّز المفاوض الذكي عن الطرف المتعجّل: معرفة متى يتكلم، ومتى ينتظر، ومتى يرفض.