عكس السير - غسان سعود
لا يتعلّق الأمر بـ«الدولة» ولا بـ«الحكومة»، ولا برئيسها المُنهِك للأعصاب ووزرائها مدّعي الذكاء؛ فالدولة والحكومة ورئيسها المُنهِك للأعصاب ووزراؤها المدّعون لا يتحمّلون مسؤولية التشقّقات أو التصدّعات التي قد تُصيب أملاكنا الخاصة هنا أو هناك. كما لا يتعلّق الأمر بـ«أثرياء المدينة»، فالأثرياء أثرياء، وقد حسمت الكتب المقدّسة موقعهم الأخلاقي حين قالت إن «مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنيّ ملكوت الله» «الجنة). ولا يتعلّق أيضاً ببلاهة السياسيين هنا وهناك، لأن ابن كرامي وابن الجسر وابن كبّارة، وسائر أبناء وبنات البيوتات التي تعاقبت على حكم المدينة منذ قرنين، اعتادوا النظر إلى الفشل بوصفه فرصة جديدة للانطلاق… بقدرٍ أكبر من الغباء.
كفى كذباً وخداعاً ومزايدة في الكذب والخداع كلّما تعرّضت مدينة طرابلس وملحقاتها لمصابٍ أليم. لا يتحمّل مسؤوليةَ ما بلغته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في طرابلس إلا أهلها. فمن يستمع إلى بعض التصريحات يعتقد بأن «الدولة» والحكومة والوزارات فاعلة في مكان، ومتقاعسة في آخر، فيما الوقائع والأرقام تقول غير ذلك. فموازنات الدولة المتعاقبة منشورة ومتداولة، وتُظهر بوضوح أن طرابلس تتساوى مع سائر المدن الكبرى، سواء على مستوى المشاريع الإنمائية أو موازنات الصحة والتربية والبنى التحتية. بل إن حصة طرابلس على مستوى المدرسة الرسمية والطبابة الحكومية والمشاريع المموّلة من جهات خارجية تُعدّ من الأكبر في لبنان. غير أن الفارق الجوهري أن بلديات صيدا أو الشويفات أو بيروت أو الغبيري أو الجديدة أو جبيل أو زحلة تُفعّل أجهزتها الرقابية، وتحاول، ولو بالحدّ الأدنى، تنظيم الفوضى اللبنانية - السورية «الخلاقة» التي تعصف بأحيائها، فيما بلديات طرابلس المتعاقبة تراقب «من بعيد لبعيد».
بلدية سنّ الفيل، مثلاً، نظّمت سوق الأحد مرّة واحدة، وانتهى الأمر. أمّا في طرابلس، فيعيد كل مجلس بلدي طرح معضلة أسواق الأحد كل بضعة أشهر، من دون أي حلّ فعلي. والأمر نفسه ينسحب على سوق الخضر، الذي صُمّم حجماً وشكلاً ليعالج مشكلة لبنان وسوريا على مستوى أسواق الخضر، ومع ذلك ما تزال الأسواق الفوضوية تنتشر بين الأحياء السكنية والشوارع التجارية، لأن أبناء المدينة وقواها الحيّة لا يتصدّون لها. وكذلك الحال مع المسلخ ونتّافات الدجاج: الدولة قامت بواجباتها، كما فعلت في سائر المناطق، لكن غالبية المناطق التزمت، فيما لا تتجاوز نسبة الالتزام في طرابلس العشرين في المئة، لأن أبناء المدينة وقواها الحيّة لا يواجهون إصرار كل صاحب ملحمة أو متجر دجاج على الذبح أمام دكانه، قبل أن يشطف الرصيف بالمياه.
ورغم وجود جمعيات تُعنى بحقوق الحيوانات في المدينة، تصرّ البلدية على تجاهلها، وتنشئ مأوى للكلاب الضالة في الهواء الطلق، يعرّضها لمجزرة حقيقية عند أول عاصفة. وبدل أن تحتفل طرابلس بترميم أحيائها التراثية وأسواقها القديمة، وتسعى إلى مضاعفة الاستثمارات الإنمائية بالتعاون مع الملحقيات الثقافية الأوروبية والملحقية الثقافية التركية، كما تفعل صيدا مثلاً، لا يكاد ينتهي ترميم شارع حتى تعود الخربشات إلى الجدران، والنفايات إلى الطرقات، والبسطات إلى الأرصفة، ويملأ التلوث البصري لـ«شرطان» الكهرباء المشهد من جديد.
وبينما تجاوزت بعض البلديات الحدود الأخلاقية في تنظيم ملف النزوح السوري، سهّلت البلديات المتعاقبة في طرابلس، ومعها فعاليات المدينة وقواها الحيّة، انتشار الباعة السوريين على الأرصفة قبالة المتاجر، من دون أي حياء أو احترام لأبسط قواعد المنافسة، واحتُفل بتأجير الشقق من دون تسجيل العقود في البلدية.
ومع اقتراب شهر رمضان، يُخطئ كثيراً من يعتقد أن «الدولة» أو «الحكومة» أو فلاناً أو علتان يقفون خلف ازدهار مدينة صيدا في هذا الشهر أو ازدهار غيرها من المدن اللبنانية في مواسم الأعياد. ما يصنع الفرق هناك هو المبادرات الفردية، وجدّية لجان التجار، وديناميكية البلديات، وتفاعل بعض السياسيين معها. هناك تتراكم النجاحات، وهنا، للأسف، يتراكم الفشل.
«النق» سهل ورندحة «وينيي الدولة» أسهل، لكن الأصعب حقاً أن يجرؤ هواة البكاء على الأطلال على طرح السؤال الجدي: ماذا قدّم كلّ منهم لطرابلس، قبل أن يسأل الآخرين عمّا قدّموه؟
تحتضن مدينة طرابلس مرفأً استثنائياً، وتشكّل عمارتها المملوكية - العثمانية - الإسلامية واحداً من أكبر المتاحف المفتوحة في العالم، حيث تتداخل الخانات والجوامع والزخارف والتكايا في نسيجٍ حضري فريد. وقد طوّرت المدينة في المينا واجهةً بحرية تتيح لأهلها وزوّارها الاستمتاع بوقتهم إلى جانب أكبر مرفأ للصيادين في لبنان وسوريا، وسوق السمك، المرتبط بشبكة من المدن الصناعية الموزّعة في أنحاء المدينة، على نحو لم تعد تعرفه غالبية المدن اللبنانية الأخرى. فما تزال مصانع توضيب الخضار تعمل بقوة في طرابلس، إلى جانب مصانع المفروشات والصناعات الحرفية، ومصانع الألبسة، وصنّاع الصابون والحلويات الذين غزوا كل المناطق اللبنانية.
وفي المقابل، قامت الدولة بما يلزم حيال معرض رشيد كرامي الدولي، وهو بدوره معلم استثنائي، لكنه ما زال يراوح مكانه، بانتظار مبادرات جدّية من القطاع الخاص الطرابلسي.
طرابلس هي أيضاً جامعة الشمال، ما يفرض سؤالاً على أهل المدينة قبل غيرهم: لماذا بات أبناء الأقضية المجاورة يفضّلون تحمّل كلفة الانتقال إلى بيروت وجبل لبنان بدل التوجّه إلى القبة كما كان يحصل لعقود؟ ولماذا لم تعد طرابلس السوق التجارية الأساسية لأهل الشمال والبقاع وحمص؟
في هذا السياق، لا يمكن تحميل الدولة أو الحكومة أو وزراء الغفلة أي مسؤولية مباشرة، تماماً كما لا علاقة للأمر بما يُشاع عن «جو إسلامي» في المدينة. فهذا الجو كان دائماً جزءاً من هوية طرابلس، ومن يعرفها يدرك أن تديّنها تقليدي، هادئ، ومحكوم بالأصول لا بالأصوليات.
من هنا، فإن حال طرابلس، مدينتنا، لا يختلف في جوهره عن حال سائر المدن اللبنانية: فهي لا تنتظر دولة ولا حكومة ولا وزراء ولا سياسيين، بل تنتظر أهلها. تنتظر منهم أن يفعلوا لها ما يفعله أبناء المدن الأخرى لمدنهم، وأن يحاسبوا المقصّرين في تأمين ازدهارها، كما يفعل غيرهم أيضاً.
لقد شاهد سكّان المبنى الذي انهار أخيراً التصدّعات تزحف على جدران مسكنهم، فلم يعالجوها، ولم يرفعوا الصوت طلباً للعلاج حين عجزوا عنه، ولم يغادروا إلى شقّة أخرى أو إلى ملجأ آمن. والمسألة هنا لا تتعلق بشقّة واحدة ولا مبنىً بعينه؛ إنها مدينة يقطنها نحو مليون نسمة، يفعلون ما فعله سكّان ذلك المبنى: لا يعالجون التشقّقات، لا ينتفضون، وحين يقرّرون البحث عن مهرب، لا يجدون سوى الصعود إلى مركبٍ مهترئ في بحرٍ هائج.