رغم وجود فوارق جوهرية، يمكن طرح التماثل بين عهدي جوزيف عون وأمين الجميل، لاعتبارات تتصل بشخصية الرجلين، والظروف التي أوصلتهما إلى الرئاسة، وطريقة مقاربتهما للتحديات. فالشخصيتان تفتقران إلى خصائص القيادة الجامعة، من حيث القدرة على الإقناع أو الكاريزما القادرة على استقطاب اللبنانيين. ولم يصل أيٌّ منهما على جناح مسيحي فعلي أو برغبة صريحة من القوى الرئيسية، بل في لحظة «تقاطع خارجي» وضمن تسوية فرضها تعقيد المشهد. كما إن كليهما لم يكن ضليعاً في الشأن السياسي أو صاحب تجربة سياسية عميقة، ولم يسجّل في مسيرته إنجازاً وطنياً وازناً قبل الرئاسة، بخلاف تجارب أخرى كالرئيس إميل لحود.
ويأتي هذا التوصيف لا للتقليل، بل لفهم القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية وإنفاذها. أمّا السياق، فقد وصل الاثنان بعد حرب إسرائيلية مدمّرة على لبنان، مع فارق جوهري في النتائج: بين اجتياح بيروت وقصر بعبدا عام 1982، وبين عجز العدو عن تحقيق أهدافه بعد 66 يوماً من الحرب الأميركية – الغربية – الإسرائيلية الأخيرة. وفي الحالتين، جاء الوصول بترتيب أميركي – سعودي، مع تسهيل من الطرف المقابل، أي المقاومة (وفي السابق الدولة السورية).
وجه الشبه الأهم يتمثّل في الخطاب والمسار السياسي. فقد اعتمد الجميل، ويُعاد اليوم إنتاج المسار نفسه، خطاباً يقوم على التسويات مع الخارج، واسترضائه، واعتبار الولايات المتحدة ضامناً، وتبرير العجز تحت عنوان «العقلانية» وعدم القدرة. وهو المسار ذاته الذي قاد إلى اتفاق 17 أيار، تحت شعار «حماية لبنان»، وافتراض أن التنازلات المتتالية تؤدي إلى الاستقرار والسيادة. غير أن هذا المسار يفترض أمرين غير واقعيين:
الأول، أن الولايات المتحدة تريد مصلحة لبنان أو تشكّل ضمانة محايدة.
والثاني، أن تفاهمات الخارج قادرة على فرض نفسها على الداخل، بدل البحث عن خيارات أخرى أو إدارة تفاوض وتقلّل الخسائر وتحفظ التوازنات.
لم يمضِ وقت طويل حتى انقلب العهد على خطابه، وقطع علاقته بالبيئة الشعبية الأوسع، وفي مقدّمتها شعب المقاومة الذي شكّل ركيزة أساسية في وصوله إلى بعبدا. وقد أبدت هذه البيئة إيجابية عالية، وأعلنت، على لسان قياداتها، الالتزام بالدولة وتسهيل دورها في حماية السيادة والاستقلال، وصولاً إلى تحمّل مسؤولياتها الخدماتية. لكن هذه الإيجابية قوبلت بتصعيد في الخطاب، وتجاوز في المخاطبة، ومسّ برمزية موقع الرئاسة، ما جعل تبرير هذا المسار أو التخفيف من حدّته أمراً غير ممكن.
وبدل التعاون مع شريحة واسعة من اللبنانيين لبناء السيادة والحماية والاستقلال، جرى تبرير التراجع والخضوع، وجرى تحويل الخطاب إلى أداة صدام مع الداخل، في وقت كان العدو يواصل عدوانه.
وهنا يُطرح السؤال: إلى متى يستمر الرهان على تلبية الأجندة الأميركية باعتبارها مدخلاً للاستقرار واستعادة الدولة؟
لسنا هنا في معرض تعداد الأدلة على طبيعة الدور الأميركي، ولا في استشراف المستقبل، بل في قراءة التجربة. فمن لم ينجح، رغم صلاحيات ما قبل الطائف، ورغم سيطرته على أدوات القوة حينها، في فرض مسار التطبيع أو الاستقواء بالخارج، انتهى عهده عند حدود اتفاق 17 أيار. والسؤال المشروع يبقى: لماذا تُرك وحيداً حين سقط المشروع؟ الخلاصة أن الخارج لم يستطع فرض وقائع على الداخل، وأن التوازنات اللبنانية عصيّة على الكسر، مهما بلغت الضغوط. والسيادة لا تبدأ من التفاهمات الخارجية، بل من الداخل.
ومن المفيد التذكير بأن البيئة الدولية اليوم أقلّ ملاءمة للمشروع الأميركي – الإسرائيلي مما كانت عليه سابقاً. العالم متصدّع، والغرب الأوروبي عاجز، والولايات المتحدة غير قادرة على حسم صراعاتها، ولا تخلّف حيث تحضر إلا مزيداً من الفوضى.
في المقابل، فإن حال المقاومة في لبنان مختلفة نوعياً: أكثر تجذّراً، وأكثر قوة واحتضاناً، وخطابها أكثر انسجاماً مع المصلحة الوطنية والشرعية القانونية. وهي مقاومة لبنانية الهوية والانتماء، متجذّرة في الجغرافيا والتاريخ، وأي استهداف لها أو محاولة إضعافها يعني المسّ بأسس هذا البلد.
كما إن الانقسام الداخلي اليوم بات واضحاً: بين مشروع الهيمنة والخضوع، وبين الكرامة الوطنية والاستقلال. وهو انقسام لا طائفي ولا ديني، بل عمودي، يطال كل الانتماءات، ويمتد عالمياً. وعليه، فإن افتراض أزمة لبنان بسلاح المقاومة ليس إلا مجافاة للواقع والحقيقة، كما إن الرهان على بيئات داخلية لمعاداة للمقاومة لهو رهان خاسر (لن يكون معادياً المقاومة إلا فصيل حزبي معروف - «القوات» بشخص رئيسه)، لماذا؟ لأن الانقسام اليوم في لبنان مختلف عن الماضي، فالمقاومة اليوم تقوم بمجتمعها وأبنائها اللبنانيين وعلى جناحهم (بالماضي كان يمكن إضعاف منطقها بسبب الحضور الفلسطيني فيها) وهم أهل الأرض الذين جبلت دماؤهم بها.
ولا بد من تذكير أصحاب الشأن أن الوجود المسيحي في المنطقة يواجه تحديات حقيقية، بل وجودية في ظل مشاريع إقليمية وأميركية لا تضعه في أولوياتها ولن يكون الأكراد آخر ضحاياه، فالاستشراف واجب وليس فضيلة في هذه اللحظة.
إن أي تراجع للمقاومة سيؤدي إلى خسارة لبنان لهامش المناورة، ويفتح الباب أمام وصايات متتالية - ربما إقليمية. ومَن يريد بناء دولة، عليه أن يدرك أن المقاومة اليوم تشكّل خط الدفاع الأخير عن الجميع، دولاً ومكوّنات وقيم عيش مشترك.
في الختام، فإنّ المضيّ في هذا المسار سيصطدم بالواقع كما اصطدم به من سبق. والمطلوب قراءة الواقع بعيداً عن الأوهام، والانطلاق من الداخل لا الخارج، وبناء الثقة مع الشعب بدل استفزازه. فالتاريخ واضح، والعبرة قائمة: طوبى لمن اتّعظ بمن قبله، ولم يصر عبرةً لمن بعده.
باحث لبناني