
تعرض «الجزيرة الوثائقية» فيلم «كُوّة أمل»، الذي يروي قصة أستاذ لبناني يعيش في قلب أزمة التعليم الخانقة. يتمحور الفيلم حول حسن شكرون، أستاذ اللغة العربية في ثانوية حسن كامل الصباح في مدينة النبطية، والذي يعمل أيضاً في عدد من المدارس الخاصة، محاولاً الاستمرار في أداء رسالته التربوية في ظل واقع اقتصادي واجتماعي بالغ القسوة.
توضح مخرجة الفيلم، رنا كوثراني، في حديث مع «الأخبار»، أن عرض الفيلم يتزامن مع ارتفاع وتيرة الإضرابات في القطاع التعليمي، مشيرةً إلى أن الفيلم يسعى إلى أن يكون صوتاً للأساتذة في قطاع التعليم، سواء الرسمي أو الخاص، في ظل ما يعانونه من تهميش وضغوط متزايدة.
بعد الانهيار الاقتصادي الذي ضرب لبنان، اضطر حسن شكرون إلى العمل في مهن يدوية إلى جانب التعليم، بعدما بات راتبه كأستاذ غير قادر على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية، مثل السكن والطعام. ومع ذلك، لم يتخلَّ عن رسالته التربوية، ولم يتعامل مع التعليم بوصفه مجرد وظيفة، بل كقضية ومسؤولية أخلاقية ومعرفية. وخلال الفيلم، يقدم شكرون قراءة نقدية حادة لدور الدولة، مسلطاً الضوء على فشلها في حماية التعليم الرسمي وصون حقوق المعلمين، في ظل تفشي الفساد وغياب السياسات الجدية الداعمة لهذا القطاع الحيوي.
تصف كوثراني شكرون بالثائر على تنميط التعليم وعلى الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وتضيف «هو يؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ من ثورة على نمط التعليم السائد، وعلى بنية الدولة الفاسدة التي أوصلت المعلمين والطلاب إلى هذا الواقع المأزوم». هذا الإيمان لا يُطرح كشعار نظري، بل يتجسد في ممارساته اليومية، وفي إصراره على الاستمرار في التعليم رغم كل الصعوبات. وتشير كوثراني إلى أن الفيلم ليس عملاً لحظوياً، إذ بدأ العمل عليه منذ عامين، إلا أن عرضه تأجل بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان.
وثائقي «كُوّة أمل» شهادة إنسانية وسياسية على أزمة التعليم الرسمي
وتضيف أن القطاع التعليمي كان يعيش حالة انهيار منذ عام 2019، لكن التراجع الحاد بدأ يتضح أكثر في عام 2023، حين لم تُدولر الرواتب، ووصل راتب الأستاذ في بعض الفترات إلى ما بين 30 و40 دولاراً فقط. وتصف كوثراني هذا الواقع بالمضحك والمبكي في آن، مؤكدة أن الظروف التربوية لم تتحسن، بل ازدادت سوءاً، وأن ما يُقدَّم للأساتذة لا يتعدى كونه «إبرة مورفين» مؤقتة، لا تعالج أصل المشكلة.
وترى المخرجة أن الأزمة ليست مرحلية، ورغم كل ما يُطرح اليوم من إصلاحات، لم تتجاوز الرواتب سقف الـ200 دولار، وما أقرّ من زيادات لم تدخل في صلب الرواتب إنما باتت تتبخّر في ظلّ الارتفاع الجنونيّ لكلفة الحياة اليوميّة، ما يؤكد أن ما يعيشه القطاع ليس أزمة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من التفكيك الممنهج.
ومن هنا، يأتي صدور الفيلم اليوم ليقول بوضوح إن الانهيار الحالي هو حصيلة خيارات خاطئة تراكمت عبر سنوات. تشدد كوثراني على ضرورة تسليط الضوء على التعليم الرسمي، باعتباره الملاذ الأساسي للفقراء، ولأن الفئات الأكثر حاجة هي التي تتعلم فيه. وتؤكد أن هذا القطاع يُعامل كعبء، وأن الأستاذ يُنظر إليه كشخص قابل للاستبدال، لا كحامل معرفة ورسالة.
ويجمع فيلم «كُوّة أمل» بين البُعدين الإنساني والسياسي. فهو يبدأ من تعب الأستاذ حسن، وإرهاقه، وخوفه من المستقبل، في ظل جهد يومي مضنٍ وخوف دائم. وفي الوقت نفسه، هو فيلم سياسي، لأنه يربط هذا الجسد المنهك ببنية كاملة أوصلته إلى هذا الواقع.
الفيلم موجه إلى كل من لا يزال يؤمن بأن المدرسة الرسمية ليست تفصيلاً هامشياً، بل ركيزة وطنية أساسية، تقول كوثراني. ففي هذه المدرسة، يوجد الفقير الذي يريد أن يتعلم، والثوري الذي يسعى إلى المعرفة، وكل من لديه قضية وطموح لكنه لا يملك المال. وهو موجه أيضاً لكل من يرى في الأستاذ كحامل معرفة ورسالة وقضية، لا كموظف فائض عن الحاجة. كما يخاطب كل من يريد أن يفهم أن ما نعيشه اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات خاطئة اتُّخذت منذ زمن بعيد.
«كُوّة أمل»: السبت 24 كانون الثاني (يناير) - السابعة مساءً بتوقيت بيروت - «الجزيرة الوثائقية».