كتب حسن علي طه
بعد خطاب جوزاف عون الأخير بحضور أعضاء السلك الدبلوماسي، وما يمثّله هؤلاء الحضور من أصحاب جميل على فخامة الرئيس، إذ لولا هؤلاء السفراء الحاضرين لما كان للفخامة معنى ولا للرجل حضور ، وأقلّ واجبٍ منه تقدير أصحاب النعمة ، وإلّا كان ناكرًا للجميل، وهذا ما لا يرتضيه إلا ابن الحرام.
يقول المفكّر جمال الدين الأفغاني:
«العبيد هم الذين يهربون من الحرية، فإذا طُردوا من سيدٍ بحثوا عن سيدٍ آخر»
وما إن أنهى فخامته الخطاب حتى شُنّت عليه حملة إهانات وشتائم وسخرية على كلّه وكلكله، ولم ينجُ حتى شكله “الصيني” من التنمّر، لما في ذلك من اهانة بأنّه “شغل الصين” للتدليل على رداءة المنتج، رغم أنّ هذه الفكرة غير صحيحة.
سامحهم يا صاحب الفخامة، لأنّ أكثرنا جاهلون لا نعلم، وإلّا لكان الشكر واجبًا علينا، لرجل ارتضى أن يحمل الذلّ عن شعبٍ كامل، حتى لو عاونه في حمل هذا الذلّ والمهانة نواف القاضي ولفيفٌ من بقايا بشير 82 الذين ما دام الذل والجبن سمةً حاكمة فيهم.
يقول الفيلسوف الفرنسي روسو :
«القوّة صنعت العبيد الأوّلين، والجبن والخوف أدامهم».
فالرئيس الذي قبل أن يأتمر من سفير دولة هنا وأخر هناك، يُهان من مبعوثٍ متحرّشٍ أطفال، ومبعوثةٍ عاشقة تتعاطى السياسة وقت فراغها خلال زيارتها لبلد الأرز على هامش علاقةٍ حميمة، مزجت ما بين الرومانسية والدبلوماسية.
فمثله لا يعامل بهذه القسوة.
أخذتم عليه قوله أنّه لم تُطلق رصاصة واحدة في عهده على العدو الإسرائيلي ، فهذه حقيقة واقعة، فلماذا كلّ هذه التشنيع ؟ أي نعم الغارات العنيفة وتدمير القرى مستمر والفضاءٍ منتهكٍ ليل نهار، حتى فوق القصر الذي يحتلّه؟
لكن ما باليد حيلة..
امن اجل هذا فهل يستحقّ كلّ تلك الشتائم ؟
أم أنّكم تناسيتم السيادة التي نالها الشعب والأرض في الجنوب بعد أربعين عامًا؟ الآن كلّ التدمير والاعتداءات يتمّ تعدادها تحت أعين الدولة، بعدما كانت مغيّبة.
وما حدا يعتقد أن الغارات الآن مع كتابة هذه الأسطر على قرى صيدا إلا من قبيل تبادل الأدوار بين العدو الاسرائيلي وأصحاب الفخامة والمعالي .
وبفرحٍ وبهجة تحدّث عن تنظيف الجنوب من السلاح غير الشرعي، فحمل أكثر ممّا يحتمل. أي نعم، هذا السلاح حمى وطنًا وحمى جيش وطن، كان جوزاف عون ضابطًا فيه إلى أن اختاره الخارج لقيادة الجيش، وبعدها لرئاسة الجمهورية. فهو يعلم علم اليقين أنّ هذا السلاح هو شرفه وحامي عرضه، خاصّة أنّه ابن العيشية ، الضيعة الجنوبية التي حرّرها هذا السلاح، ولولاه لما كان الرجل ليعرف بيت أبيه وجدّه.
الرجل ليس ناكرًا للمعروف إلى هذه الدرجة، وكان واجبًا علينا أن نحسن الظنّ، وجلّ ما في الأمر أنّ كلمته كانت أمام أسياده، أو ربّما دسّها أحد جان القصر وإن كان عزيزًا. فالعبيد السعداء هم ألدّ أعداء الحرية.
وقمّة الإساءة كانت عندما أراد الرجل تقليد الكبار مستخدمًا موقفًا لهم:
«الخبر فيما ترون لا ما تسمعون».
وما الضير في ذلك ليستحقّ عليه كلّ هذه البهدلة والتقريع؟
أم أنكم صدقتم أنه شرب الشامبانيا يوم علم خبر استهدافه.
جميعنا منذ أن كنّا صغارًا نقلّد الكبار ونحلم أن نكون مثلهم وهذا ديدن البشر.
ختامًا يقول الشاعر المتنبي:
«لا تشتري العبد إلّا والعصا معه
إنّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ».
فالعبودية عبر العصور كانت جريمة العبيد أكثر من كونها جريمة الأسياد.