أخطر انتصار لعدونا، ليس كم يقتل مِنّا، ولا المساحة التي يحتلها من أرضنا، ولا قدرته على القصف اليومي لبيوتنا، قد يفعل جميع ذلك، وأكثر من ذلك، ولكنه لا يهزم إرادتنا ولا ينال من عزمنا، ولا يجعلنا نتخلّى عن حقنا، بل قد يزيدنا إصرارًا وثباتًا.
أخطر انتصار لعدونا أن يسيطر على إدراكنا، أن يقنعنا أننا هُزِمنا، وأن تجربتنا كانت فاشلة، وأن خياراتنا كانت أوهامًا، وأن وعود قادتنا ذهبت هباءً.
القرآن الكريم يُرشِدنا إلى الأسلوب الذي نواجه به الحرب الإدراكية بقوله: وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ (آل عمران: 139) فالمؤمنون لا تضعف إرادتهم، ولا تفتر عزيمتهم، ولا يصابون بالانكسار، لا يسمحون للخسارة أن تهزمهم نفسيًا، يعلمون أن الإيمان لا يعني أَلَّا يصابو بالجراح، وأن كونهم على حق لا يعني أَلَّا يتألًّموا، وأن مشروعهم لا ينتصر من دون كلفة، وأن انتصار الباطل في جولة لا يعني انتصاره في الجولة النهائية.
من حقك أن يكون لك وجهة نظر فيما جرى ويجري، بل من الجيد أن تختلف وجهة نظرك وتقييمك، ففي ذلك ثراء وغِنًى، ولكن بعض القناعات ولا سيما إذا كانت مبنية على معطيات ناقصة، لا يحسُنُ التصريح بها على المَلأ.
محاكمة مرحلة لم تنتهِ بعد، وأشخاص عاشوا في الظل، وعُرِفوا بعد ارتحالهم وارتحال أسرارهم معهم، تحتاج إلى اطلاع كامل على المعطيات ذات الصِّلَة، بل تحتاج إلى تقوى وخوف من الله، وحِرصٍ على المنجزات والحاضر والمستقبل.
نحن في زمن يحتاج الناس فيه إلى الطمأنينة والتماسك النفسي والمجتمعي، فإن كنت حريصًا عليهم فاحتفظ بقناعاتك الآن، أو ناقش بها من لديه القدرة على فهمها وتفنيدها، والإجابة عليها. قال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿آل عمران: 83﴾.