
بعد مرور أكثر من مرور عقد ونصف عقد على الحصار الاقتصادي الخانق ضدّ فنزويلا، لا يجد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حرجاً في ترديد مزاعمه حول «سرقة عوائد النفط»، محاولاً بذلك تجريد كاراكاس من حقّها في تفسير أزمتها على قاعدة السيادة والاقتصاد السياسي، وساعياً لتبرير إجراءاته العدوانية ضدّها ورغبته في فرض الوصاية عليها. على أنه بالنظر إلى ريع النفط كمسار دخْل عام يمرّ عبر الإنتاج والتسويق والتحصيل والميزانية، ثمّ يعود في صورة خدمات ودعم واستيراد وتمويل بنية تحتية، وليس كخَزنة غامضة تختفي منها الأموال وفق ما يروّجه الإعلام الغربي، يمكن فهم كيف حوصرت قدرة الدولة على تحصيل الريع خلال عقد مضى، وكيف بُنِيَت أولويات الإنفاق في ظلّ هذا الخنق.
منذ هبوط أسعار النفط بعد عام 2014، دخلت فنزويلا انكماشاً قاسياً في مواردها، ثمّ جاء المسار العقابي الأميركي ليحوّل أزمة الموارد لديها إلى حصار على التدفّقات نفسها. ففي عام 2019، وسّعت واشنطن عقوباتها على شركة النفط الوطنية الفنزويلية بهدف حرمان الدولة من مصدرها الأساسي للدخل، وهو ما قيَّد التصدير والتحصيل عبر النظام المالي. وتحت هذا الضغط، تعطّلت أيضاً خدمات الشحن والتأمين وشراء المخفّفات وقطع الغيار، وتراجعت بالتالي القدرة الإنتاجية نفسها. ولربّما تكفي الإشارة هنا إلى أن إنتاج فنزويلا من النفط انخفض نتيجة الحصار من نحو 2.5 مليون برميل خلال عام 2013 إلى أقلّ من 800 ألف برميل يومياً في عام 2020، قبل أن يعاود التحسّن خلال الأعوام الخمسة الماضية ليبلغ حتى آخر العام الماضي قرابة مليون برميل.
ورغم هذا الخنق، لم تبنِ الحكومة البوليفارية شرعيتها على وصفات سوقية، وإنما على تحويل الريع إلى حقوق ملموسة: تعليم وصحة عامة، ودعم غذائي، وإسكان للفئات الأدنى دخلاً، ورواتب ومعاشات تحاول اللحاق بتآكل القدرة الشرائية. وهكذا، فإن الجامعات الحكومية والمستشفيات والشبكات المدرسية وميزانيات البلديات لم تختفِ من المشهد، وإنما واصلت العمل بثمن سياسي واقتصادي مرتفع، مع دعم حثيث من الدولة. وفي مداولات الموازنة خلال السنوات الأخيرة، ظلّ بند «الاستثمار الاجتماعي» مركزياً، وزاد نصيبه على نسبة 70% من إجمالي الموازنة المالية؛ وهذه نسبة عالية حتى قبل أن تُناقش كفايتها، وهي تنسف السردية القائلة إن العوائد كانت تُسحب خارج المجال العام من دون أن تترك أثراً.
على أن أكثر ما يَصلح لتفنيد اتهام «سرقة عوائد النفط»، هو ما يخلّفه الإنفاق من أصول ملموسة. وهنا، يبرز خصوصاً ملفّ الإسكان، حيث تمّ تحويل جزء من الموارد - بما فيها الريع النفطي - إلى وحدات سكنية تُنقل ملكيتها إلى الأُسر، وذلك في إطار مواجهة السكن العشوائي والحرمان التاريخي من التملُّك، إنما عبر بناء أحياء وخدمات وربطها بالبنية العامة، وليس عبر مِنح نقدية سريعة التبخُّر. وفي سياق عرض الموازنة، أُعلن أن البرنامج المذكور سلَّم ما يزيد على 5 ملايين وحدة سكنية بحلول نهاية العام الماضي، فيما من المُرجَّح أن يصل هذا الرقم إلى 7 ملايين بحلول نهاية العام المقبل.
معركة النفط أقل قابلية للحسم السريع وأكثر احتمالاً للتحوّل إلى اشتباك طويل
أمّا في ملف الغذاء، فاتّجهت الدولة إلى آليات توزيع مدعوم لتخفيف صدمة الأسعار على الفئات الأكثر هشاشة، وذلك عبر شبكات الطرود الغذائية والبيع المدعوم وتنظيمات محلية، في ما استهدف حماية الحدّ الأدنى من الاستهلاك - حتى لو كانت السلة محدودة أو غير منتظمة -، خصوصاً في فترات ذروات التضخم. والجدير ذكره هنا، أن أدبيات الحق في الغذاء في فنزويلا تربط التدهور في هذا المجال بتعطُّل الاقتصاد الناتج من الحصار، وما يترتّب عليه من تقييد الوصول إلى الواردات والتحويلات. كما أن تقارير أممية عن «التدابير القسرية الأحادية» أشارت إلى أثر هذه الأخيرة السلبي على سبل الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات العامة.
وعلى الرغم من أن فنزويلا - شأنها شأن أيّ اقتصاد ريعي كبير - تضمّ شبكات مصالح ورشى ومقاولات، وهي شهدت حملات قضائية داخلية تستهدف موظفين ومديرين وشركات وسيطة، لكنّ الخطاب الأميركي والأوروبي حولها يتجاهل ما جرى للأصول التي انتُزعت عملياً من سيطرة الدولة في الخارج، وذلك تحت مظلّة الاعتراف السياسي بسلطات موازية منذ عام 2019. وعلى سبيل المثال، دخل ملف شركة «سيتغو» في ترتيبات إدارة خارجية بعد الاعتراف الأميركي بزعيم المعارضة وقتذاك، خوان غوايدو، ممثّلاً شرعياً، وهو ما خلق نزاعاً على من يملك ومن يدير ومن يحصّل. كما أن تهمة «السرقة» تعجز أيضاً عن تفسير التكلفة البشرية لتشديد الحصار، والتي تجلّت في نقص الأدوية، وتعطّل سلاسل توريد المستشفيات، وتراجع قدرة الدولة على تمويل الاستيراد ودفع ثمنه، فضلاً عن تضخّم تكاليف النقل والتأمين وقطع الغيار، والذي انعكس مباشرة على الخدمات. وفي هذا الإطار، قدّرت بعض الدراسات أن العقوبات المالية والنفطية ساهمت في تفاقم الوفيات عبر تعطيل الدخل والواردات خلال سنوات بعينها، وهو ما يقوّض خطاب «العقوبات النظيفة» الذي يزعم أن الأخيرة تستهدف «الفاسدين فقط»، ثمّ يحاول استخدام المعاناة كبرهان جديد على «فشل» الحكومة لا كأثر مباشر للحصار.
ومنذ عام 2022، اتّجهت الحكومة إلى تطبيق سياسة استقرار نقدي ومالي أكثر تشدّداً، مع قبول عملي بتوسيع التعامل بالدولار وتقليص التمويل التضخّمي، وذلك في محاولة لوقف الانفلات وإعادة بناء حدّ أدنى من الثقة. والجدير ذكره، هنا، أن بيع النفط جرى في معظمه - خلال السنوات الخمس الماضية - عبر المقايضة، حيث حصلت فنزويلا على بضائع من الصين التي استوردت خلال هذه الفترة ما بين 65% و90% من إجمالي إنتاج النفط الخام لدى الأولى، وهو ما يكشف مجدّداً هشاشة سردية «الريع المسروق»: فلو كانت الدولة تسبح في وفرة قابلة للنهب، لما احتاجت إلى هذا الانضباط القاسي بالمقايضة وتقليص الدعم غير الموجّه وتركيز الإنفاق على ضرورات محدّدة، وهو ما انسحب على موازنة العام الماضي، واستمرّ أيضاً مع العدوان العسكري في موازنة العام الجاري، رغم انخفاض هذه الأخيرة بنسبة 12%، والذي لم ينزل بالاستثمار الاجتماعي عن نسبة 75%.
بالنتيجة، يمكن القول إن ريع النفط الفنزويلي خلال حكم مادورو مثّل ساحة اشتباك بين نموذجَين: واحد يعتبر الثروة الطبيعية حقاً سيادياً يعاد توزيعه اجتماعياً، وآخر إمبريالي يريد تحويلها إلى أداة انضباط سياسي عبر العقوبات والحصار. وعلى الرغم من أن لدى النظام الفنزويلي أخطاء ومشكلات، إلّا أن محاسبته ودفعه إلى تحسين الشفافية، إنما يجدر أن يتمّا على أيدي الفنزويليين، ومن خلال مؤسساتهم وقضائهم ورقابتهم الشعبية فحسب، مع عدم إغفال الترتيب الحقيقي للوقائع: العقوبات والحصار، مصادرة الأصول والقيود المالية التي تعطِّل التحويلات، تراجع الأسعار وخنق شركة النفط الوطنية الفنزويلية، ثم استمرار أولوية الاستثمار الاجتماعي بقدر ما تسمح به الموارد.
أمّا اليوم، وبعد الحصار البحري الذي أريد منه سلب حرية الدولة في بيع موردها الرئيس وتواكبه عمليات قرصنة، فتأتي محاكمة مادورو كأداة ابتزاز سيادي لإعادة هندسة شروط التفاوض على هذا المورد. وفي الأصل، فإن التصعيد العسكري في الكاريبي منذ منتصف آب الماضي لم يهدف إلى «ردع» كاراكاس فقط، وإنما إلى بناء نموذج وصاية يمسك بمفاتيح الشحن والتأمين والتحويلات، بحيث يتحوّل برميل النفط من حق سيادي إلى «ترخيص» يُمنح ويُسحب وفق المطلوب سياسياً من وجهة النظر الأميركية. بيد أن هذا المسار، بقدر ما يرفع تكلفة الصمود، فهو يفتح أيضاً باب تناقض حادّ؛ إذ كلّما توسّعت أدوات الإكراه، تقلّصت المشروعية الدولية للعدوان، وتحوّل الداخل الفنزويلي إلى كتلة تعبئة حول السيادة، ما يجعل معركة النفط أقلّ قابلية للحسم السريع، وأكثر احتمالاً للتحوّل إلى اشتباك طويل خلال الأسابيع المقبلة.