آسيا
يحيى دبوق
الإثنين 5 كانون الثاني 2026
تظاهرة مناهضة لنتنياهو في تل ابيب (أ ف ب)
يَظهر الحدث الفنزويلي، في العدسة الإسرائيلية، في صورة تهديد لأعداء إسرائيل؛ إذ لم يُعدّ اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، على يد القوات الأميركية، حدثاً معزولاً يتعلّق بالقارة اللاتينية، بل أُدخل فوراً في سياقات أوسع، على رأسها الصراع بين إسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها في المنطقة، من دول وغير دول، من جهة أخرى. ذلك بأن ثمة تقديراً في المؤسستَين الأمنية والسياسية في تل أبيب، وتبعاً لهما الإعلامية، بأن العلاقة بين كراكاس وطهران وبين الأولى وحلفاء الأخيرة، ليست تعاوناً تكتيكياً عابراً، بل هي أقرب إلى «شريان لوجستي» واقتصادي حيوي، يخدم أنشطة تمتدّ من «غسيل الأموال»، وصولاً إلى «دعم الميليشيات» في لبنان وسوريا والعراق واليمن، بشكل مباشر.
وهذا التوصيف، لا يُقدَّم على أنه تحليل محايد، بل كجزء من تأطير استراتيجي داخلي يهدف إلى ربط أي حدث دولي ذي طابع أمني، بتهديد محتمل أو فرصة متاحة لإسرائيل. وفنزويلا، وفقاً لهذه القراءة الموجّهة، ليست دولة في صراع مع أميركا ولديها سياساتها الخاصة بها، بل هي «حلقة» في شبكة تُدار من إيران، وتغذّي الجهات التي تصنّفها إسرائيل «إرهابية». ومن هنا، فإن سقوط مادورو لا يُقاس بتأثيره على فنزويلا، بل بمدى الضرر الذي سيُلحقه بقدرة إيران ومحورها على التماسك والمناورة، وبالضغوط اللوجستية التي ستعاني الأخيرة منها في أعقاب سقوط الحليف الفنزويلي.
ويركّز التقدير الإسرائيلي في هذا الإطار، على التوقيت باعتباره ذا دلالة استراتيجية خاصة؛ إذ يأتي الحدث، من وجهة نظر مصادر أمنية، في لحظة تبدو فيها إيران في أضعف حالاتها: احتجاجات داخلية متصاعدة، وقدرات دفاعية جوية معطّلة، وشبكات حلفاء وشركاء إقليميين في حالة تراجع، ما يعني أن اختطاف مادورو هو «ضربة تكميلية» تنهك الخصم وتربك حساباته. وإلى أبعد من ذلك تذهب تلك التقديرات، محتملةً أن تسمح الولايات المتحدة، بل وأن تشجّع، عقب ضربة فنزويلا، على اتخاذ خطوات ميدانية جديدة في الإقليم، من مثل: تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضدّ «حزب الله»؛ تكثيف جهود تفكيك ما تبقى من البنى العسكرية لحركة «حماس» في غزة؛ وحتى فتح المجال أمام ضربات إسرائيلية مباشرة ضدّ البرنامج الصاروخي الإيراني، في ظل غياب قيادة بديلة قادرة على إدارة انتقال سلس في طهران.
وهذا التوقّع، لا يستند إلى أدلة معلنة، بل إلى قراءة إسرائيلية لنوايا الإدارة الأميركية، ومدى انفتاحها على خيارات كانت مستبعَدة قبل الحدث الفنزويلي، الذي يبدو، والحال هذه، وكأنه نذير بتغيير يسمح بتفعيل تلك الخيارات. وهكذا، يعكس التقدير الإسرائيلي، في جوهره، رغبة داخلية في استثمار اللحظة، ليس لأن فنزويلا كانت «شريان حياة» لإيران فحسب، بل لأن تظهيرها بهذه الصورة يسهّل تبرير انخراط إسرائيلي أوسع في الصراع الإقليمي، تحت غطاء أميركي. باختصار، يُفهم الحدث الفنزويلي في إسرائيل، من زاوية إمكانية توظيفه لتعزيز الرواية الأمنية، وإعادة ترتيب الأولويات على الأرض، ومدى قابلية تطبيقه في أماكن أخرى تشكّل تهديداً لأمن الكيان ومصالحه، خصوصاً في مرحلة يُنظر إليها على أنها فرصة نادرة.
وكانت قد سارعت تل أبيب، في أعقاب الإعلان عن اعتقال مادورو، إلى التعبير عن دعمها الصريح للخطوة. وأشاد رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، بما وصفه بـ«العملية الشجاعة»، مهنئاً الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بـ«القبض» على مادورو. وقال إن «العالم الحر يقف مع العدالة ضد الاستبداد». ورحب وزير الخارجية، جدعون ساعر، بدوره، بـ«إنهاء حكم ديكتاتوري»، واصفاً مادورو بأنه «رأس شبكة عالمية تشمل تهريب المخدرات ودعم جهات إرهابية». وأشاد بترامب لـ«قيادته الحازمة في فرض النظام الدولي الجديد». وبالمثل، علّق وزير شؤون يهود الشتات، أميخاي شيكلي، بأن «اعتقال مادورو ليس حدثاً محصوراً بفنزويلا، بل ضربة قاتلة لمحور الشر العالمي ورسالة واضحة إلى (المرشد الإيراني، السيد علي) خامنئي»، معتبراً أن النظام الفنزويلي «لم يُدر دولة بقدر ما شكّل منظومة اقتصادية غير شرعية»، ذاهباً إلى أبعد من ذلك بالقول إن «عائدات النفط في فنزويلا أسهمت في دعم جهات مثل حزب الله». وإذا دلّت تلك التصريحات على شيء، فإنما على نية إسرائيل تحويل أي تغيير في فنزويلا على مستوى الحكم أو النظام، حتى لو جرى عبر «البلطجة الأميركية»، إلى «انتصار استراتيجي»، تشترك تل أبيب في عائداته، وتنعكس فوائده مباشرة على مصالحها، مع الأمل بأن يعاد تنفيذه إقليمياً، بلا إبطاء.