كتبت داني كرشي
ليست أزمة الكهرباء في لبنان مجرّد فشل إداري أو عجز مالي، بل هي مرآة فاضحة لمسار كامل من التفريط السيادي والصفقات الغامضة التي أوصلت البلاد إلى واحدة من أكثر المفارقات إذلالًا في تاريخها الحديث:
لبنان يتخلّى عن غازه… ثم يدفع من أموال شعبه ليشتريه.
الغاز الذي سيشتريه لبنان اليوم ليس غازًا عاديًا، بل هو غاز مستخرج من حقل كاريش، الحقل الذي كان يفترض أن يكون جزءًا من الثروة الوطنية اللبنانية، لولا قرار سياسي – أمني بالتنازل عنه تحت عناوين “التهدئة” و”منع الحرب” و”حماية الاستقرار”، وهي عناوين لم تُخفِ جوهر الصفقة، بل غطّت على حقيقتها.
إسرائيل استخرجت الغاز من كاريش، ثم عقدت صفقة مع مصر، لتقوم الأخيرة بدور الوسيط “الشرعي” وتعيد بيع الغاز إلى لبنان. أما لبنان، الدولة المنهوبة والمفلسة، فلم يجد سوى خزينة الدولة، أي أموال اللبنانيين، ليدفع ثمن غاز كان من حقه الطبيعي.
أي منطق هذا؟ وأي سيادة تبقّت؟
الأكثر خطورة أن التنازل عن الجزء الأكبر من الحقوق اللبنانية في الغاز لم يكن نتيجة ضعف الدولة وحدها، بل ثمرة معادلة فرضها حزب الله، الذي رفع شعار “حماية الثروة” فيما كان عمليًا يسهّل تمرير اتفاق لم تُنشر بنوده الحقيقية حتى اليوم، ولم يُحاسَب أحد على نتائجه.
قيل يومها إن الاتفاق “انتصار”، وإن لبنان “حفظ حقوقه”، لكن الوقائع اليوم تقول العكس: لا غاز لبناني، لا استخراج، لا سيادة، ولا كهرباء،
بل صفقة مهينة، ودفع من المال العام، وشراء غاز إسرائيلي بوساطة مصرية.
ما جرى ليس سوء تقدير، بل جريمة سياسية كاملة الأركان.
جريمة موصوفة بحق الأجيال المقبلة، وبحق حقّ طبيعي كان يمكن أن يشكّل مخرجًا من الانهيار، لا نزيفًا جديدًا لأموال الدولة.
في أي دولة محترمة، يُفتح تحقيق علني بكل ما يتعلّق بملف كاريش: من فاوض؟ من قرّر التنازل؟ من غطّى الصفقة؟ ومن استفاد؟
أما في لبنان، فالجواب جاهز: الصمت سيّد الموقف، والوقاحة السياسية مستمرّة، والتفريط بالسيادة بات نهجًا.
لبنان لم يخسر الغاز فقط، بل خسر حقه في السؤال والمحاسبة.
وهذا أخطر من أي حقل، وأفدح من أي صفقة.