سوريا
عامر علي
الأربعاء 24 كانون الأول 2025
ثمة جهود محدودة تبذلها وزارتا الدفاع والداخلية لبناء قوة مركزية، لكنّها تتقاطع مع مساعٍ موازية للفصائل (أ ف ب)
في وقت يؤكّد فيه الهجوم الذي تعرّضت له القوات الأميركية في تدمر، في الثالث عشر من كانون الأول الجاري، وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص (جنديين أميركيين ومترجم)، هشاشةَ الوضع القائم في البلاد، تكشف قراءة الواقعَين الأمني والعسكري، استمرار الحالة الفصائلية التي حكمتهما منذ صعود الإدارة الجديدة. ويأتي هذا على الرغم من الإعلانات المتكرّرة الصادرة عن وزارتَي الدفاع والداخلية حول عمليات اندماج الفصائل ضمن هيكلياتها المؤسساتية، والتي لا يبدو أنها تتجاوز، حتى الآن، حدود «الحبر على الورق» أو التصريحات الموجّهة لـ«الاستهلاك الإعلامي».
وتنقسم مناطق نفوذ السلطات الانتقالية - التي تسيطر شكلياً على نحو ثلثَي مساحة سوريا، في مقابل سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والفصائل المحلية في السويداء، التي باتت بدورها تحت إدارة ذاتية، على الثلث المتبقّي - إلى ثلاثة مستويات أمنية - فصائلية، وفق تقسيم مبدئي بخطوط عريضة. وفي المستوى الأول، تستحوذ الفصائل التي كانت تتبع مباشرةً لـ«هيئة تحرير الشام» التي تسلّمت الحكم، على المدن الرئيسة، بما فيها المنطقة الجنوبية، ومساحات من المنطقتين الوسطى والساحلية، وصولاً إلى حلب المدينة.
أمّا المستوى الثاني، فتتمركز فيه قوات «جيش سوريا الحرة»، الذي قامت الولايات المتحدة بتشكيله وتدريب قواته في قاعدة «التنف» أقصى جنوبي البلاد، في مناطق البادية وصولاً إلى أطراف دمشق جنوباً. وبدوره، يهيمن «الجيش الوطني» المُموّل من قِبل تركيا، على ريف حلب الشمالي، ومناطق التماس مع «قسد» شمال شرقي البلاد، بالإضافة إلى أطراف محافظة الرقة، في ما يمثّل المستوى الثالث.
وعلى الرغم من الإعلان المتكرّر من جانب وزارة الدفاع، بشكل خاص، عن عمليات «دمج كلي» للفصائل، وتشكيل فرق عسكرية من صفوفها، وتعيين قادتها ضباطاً في الجيش الناشئ، لا تزال هذه الفصائل تحافظ على هيكليّتها السابقة. ويَظهر ذلك بوضوح في مناطق سيطرة «الجيش الوطني»، التي تشهد بين الحين والآخر اشتباكات فصائلية، كان آخرها ما سُجّل في مدينة عفرين الأسبوع الماضي، على خلفية هجوم نفّذه عناصر يتبعون لفصيل «أحرار الشرقية» على موقع أمني، وذلك إثر قيام قوات الأمن بالقبض على قيادي في الفصيل يُدعى «أبو يوسف الميادين». وبحسب ما أكّده «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فإن «الهجوم الفاشل» على مقرّ الأمن العام في عفرين، أعقبه قيام الأخير بـ«محاصرة مقرّ الفصيل القريب في حي عفرين الجديدة، وسط مخاوف من تصاعد التوتر وانتشار الفوضى الأمنية وعودة الاقتتال الفصائلي في المدينة».
لم يصدر أي موقف واضح عن السلطات الانتقالية حيال العملية الأميركية
أمّا على الناحية الأخرى من البلاد، حيث تنتشر قوات «جيش سوريا الحرة» - الذي يُفترض أنه انضمّ إلى وزارة الداخلية باعتباره «قوات خاصة لمكافحة الإرهاب» -، فقد أكّدت التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عقب هجوم تدمر، أن مناطق سيطرة هذا الفصيل «خارجة عن سيطرة السلطات في دمشق». وجاء ذلك في سياق محاولة ترامب تخفيف عبء الهجوم عن السلطات الانتقالية، خصوصاً بعد ثبوت كون منفّذ الهجوم عنصراً في وزارة الداخلية التابعة لها.
ويمكن النظر إلى هذا التقسيم الهيكلي المبدئي، باعتباره محاولةً لتعميم تجربة الشمال السوري خلال السنوات الماضية، والذي شهد اقتساماً فصائلياً للمناطق وفق مبدأ «الغنائم»؛ إذ جرت العادة آنذاك أن يعدّ أي فصيل يتمكّن من مدّ نفوذه على منطقة معيّنة، هذه المنطقة جزءاً من غنائم الحرب التي خاضها. على أن هذا الواقع يجعل مسألة تشكيل مؤسسة عسكرية أو أمنية مركزية في سوريا أمراً بالغ الصعوبة، يتطلّب سنوات من العمل، وربما المواجهات، على طريق تفكيك هذه البُنى الفصائلية.
وتُضاف إلى ذلك، مشكلة أخرى تتعلّق بالهيكلية التنظيمية للفصائل التي كانت تتبع لـ«هيئة تحرير الشام» أو ترتبط بها، والتي شكّلت العمود الفقري لقوات وزارتَي الدفاع والداخلية الناشئتين، إذ تكشف نظرة على هذه الهيكلية استمرار الذهنية الفصائلية نفسها، والتي تقوم على مبدأ وجود «أمير» لكل جماعة (سواء الجماعات أو الفصائل السورية أو حتى الأجنبية)، على أن يتبع هذا «الأمير» مباشرةً لقيادة «تحرير الشام».
ويمكن التماس هذه الظاهرة بوضوح في سلوك الفصائل المنتشرة في المدن الرئيسة، بما فيها دمشق نفسها، حيث شهدت أحياء عديدة، من مثل المزة 86 والسومرية ومحيط مطار المزة وغيرها، هجمات شنّها مسلّحون تنفيذاً لأوامر أصدرها «الأمير»، في تجاوز لجميع التعليمات أو القرارات الصادرة عن مسؤولين في الحكومة الانتقالية.
في المقابل، ثمة جهود محدودة تبذلها وزارتا الدفاع والداخلية لبناء قوة مركزية يمكن أن تشكّل نواة الهيكلية المؤسساتية، وذلك عن طريق تنفيذ عمليات تطويع، وإجراء دورات تدريبية، وتخريج دفعات من العناصر والمقاتلين. غير أن هذه الجهود تتقاطع مع مساعٍ موازية تقوم بها الفصائل نفسها، والتي تعمل بدورها على استقطاب مقاتلين وتدريبهم وتطويعهم، ما يجعل المشهد العام أقرب إلى دائرة مُفرغة.
وفي أعقاب هجوم تدمر، تسرّبت معلومات عن توقيف عدد من مسؤولي إدارة الموارد البشرية في وزارة الداخلية، على خلفية «تقصيرهم» في أداء واجبهم وإفساحهم المجال لأشخاص متشدّدين للانضمام إلى قوى الأمن. ورغم تقديم هذه الخطوة على أنها «إجراء تصحيحي عاجل للوضع»، تكشف المعطيات السابقة أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
وخلال العملية العسكرية التي أطلقتها الولايات المتحدة، قبل أيام، رداً على هجوم تدمر، لوحظ ابتعاد واشنطن عن التنسيق المباشر مع قوات السلطات الانتقالية، الشريك الجديد لواشنطن في «التحالف الدولي ضد داعش»، إذ نفّذت القوات الأميركية هجمات صاروخية وغارات جوية، بالإضافة إلى عمليات إنزال، بعضها بالتعاون مع «قسد» في شمال شرقي البلاد، وبعضها الآخر بشكل منفرد على أطراف الرقة، فيما اقتصر دور قوات دمشق على دور ثانوي يتمثّل بتشكيل طوق بعيد عن مسرح العمليات الرئيس.
كذلك، لم يصدر أي موقف واضح عن السلطات الانتقالية حيال العملية الأميركية التي حملت اسم «عين الصقر»، الأمر الذي حمل إشارة واضحة إلى التراجع الأميركي عن الانخراط الكبير في التعامل مع قوات تلك السلطات التي بدت «غير موثوقة»، وذلك بعد مرحلة من العمليات المشتركة كانت بدأت قبل انضمام دمشق إلى «التحالف الدولي» واستمرّت بَعده أيضاً، قبل أن يأتي هجوم تدمر ويعيد خلط الأوراق.