
لم تكن الجلسة التشريعية الأخيرة التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وقاطعتها المعارضة بقيادة "القوات اللبنانية"، بسبب عدم تضمينها مشروع تعديل قانون الانتخاب، محطة عادية في روزنامة البرلمان. فقد بدت أقرب إلى اختبارٍ سياسي مركّب، يختبر فيه كل طرف قدرته على التحكم بإيقاع المؤسسة التشريعية، حيث تتحول الإجراءات الدستورية إلى أدوات صراع، فيصبح مجرد انعقاد الجلسة رسالة، تمامًا كفقدان النصاب في وقت لاحق.
وبين المنطقين، كانت الجلسة بمثابة درس سياسي جديد، إذ إن ما جرى داخل المجلس أعاد فتح النقاش حول طبيعة الاشتباك السياسي في المؤسسة التشريعية، وحول مدى فعالية الأدوات التي تستخدمها المعارضة لفرض أجندتها أو لمنع تمرير أجندة خصومها. فما الذي حصل عمليًا؟ لماذا أخفقت المعارضة؟ وأين ذهب نصف النواب المنسجمين معها نظريًا؟ وأين أصاب بري في المقابل، وهل كرّس معادلة قوامها أنه لا يزال يمسك بلعبة النصاب؟.
في المبدأ، يمكن القول إنه ليس جديدًا أن يتحوّل النصاب إلى "نجم" جلسة نيابية، تشريعية أم عامة، بعدما تحوّل تدريجيًا، على مرّ السنوات، إلى سلاح سياسي يُستخدم حينًا للدفاع وحينًا للهجوم، وفق لحظة الاشتباك وميزان القوى. وقد استخدمته مختلف الأطراف في مراحل عدة لأهداف متفاوتة، من منع التشريع، إلى قطع الطريق على تسوية ما، أو فرض بند معيّن على جدول الأعمال، أو حتى تعطيل استحقاق بحجم الانتخابات الرئاسية.
بعبارة أخرى، بات النصاب جزءًا من "سياسة التعطيل" التي تلجأ إليها القوى المختلفة وفق مصالحها، التي تتقاطع حينًا وتتباعد حينًا آخر. غير أن الجلسة الأخيرة أظهرت أن هذا السلاح ليس مطلقًا، وأن له حدودًا، وبالتالي أنه ليس دائمًا قابلًا للاستخدام بالفعالية نفسها. فهو قد يفشل حين تتحول المقاطعة إلى خطوة احتجاجية غير مكتملة، والدليل على ذلك أن الرهان على منع انعقاد الجلسة لم ينجح، ما يعني أن القدرة على "إقفال الباب" ليست ثابتة.
عمليًا، يثير ما حصل نقطة إشكالية: هل تكفي المقاطعة وحدها لفرض الشروط، أم أنها تحتاج إلى بيئة سياسية مؤاتية وتماسك نيابي يضمن المنع، لا مجرد الاعتراض؟ وهل ما زالت المقاطعة سلاحًا فعّالًا في تعطيل التشريع، أم أنها باتت مجرد وسيلة للاحتجاج السياسي لا أكثر؟.
لعل الإجابة على هذين السؤالين بالتحديد تشكّل "المدخل الجدّي" للبحث في إخفاق المعارضة، التي وجدت نفسها في وضع صعب لا يقتصر على أنها لم تمنع انعقاد الجلسة، خلافًا لما حاولت الإيحاء به على مرّ الأيام السابقة. فقد أظهرت بتصريحاتها أنها قادرة على "شلّ" مجلس النواب إذا لم يقبل رئيس المجلس بشروطها "الموضوعية" للحضور. لكن الإخفاق يتصل أيضًا، قبل ذلك وبعده، بطريقة قراءة المعركة وبناء السيناريوهات حولها.
فقد بدا أن رهان هذه المعارضة كان كبيرًا على الضغط المعنوي والإعلامي، وعلى تحويل الجلسة إلى "معركة وجود" مع بري، بما يفترض أن يُلزم الآخرين بالالتحاق بالمقاطعة أو، على الأقل، بالخضوع لأهدافها، خصوصًا أن العنوان الذي اختارته لها يبدو جذابًا: قانون الانتخاب. لكن السياسة البرلمانية لا تُدار بهذا المنطق وحده، إذ يفترض بالمعارضة أن تُعِدّ خطة عمل فعلية، خصوصًا أن عنوان قانون الانتخاب يمكن أن يصطدم بعناوين أخرى لا تقل حساسية.
ولعل هذا أحد العوامل الأساسية التي أدّت إلى إخفاق المعارضة. فهي اصطدمت بعامل لا يمكن تجاهله: طبيعة البنود المطروحة، ولا سيما ما يُقدَّم بوصفه ضرورة إنمائية أو مدخلًا لتمويل إعادة الإعمار. ففي لحظات كهذه، يصبح الاعتراض أكثر كلفة، لأن الخصم يستطيع بسهولة نقل السجال من "مبدأ التشريع" إلى "تعطيل مصالح الناس"، فيربك الخطاب المعارض ويضعه في زاوية دفاعية، حتى لو كان مستندًا إلى مبدأ واضح عنوانه منع الاستئثار ورفض التهميش والحرص على أصوات المغتربين مثلًا.
استنادًا إلى كل ما تقدّم، بدا أن المعارضة تتقدم خطوة في الخطاب وتتراجع خطوة في الفعل. ولعل الإخفاق الأكبر تمثّل في غياب الانسجام الكافي بين مكوّناتها لإدارة المعركة. ففي البرلمان، لا يكفي أن ترفع شعارًا كبيرًا ما لم يترجم إلى اصطفاف عددي وإلى انضباط سياسي يضمن النتيجة. وعندما تتفاوت مستويات الالتزام أو تختلف حسابات الحلفاء، يصبح من السهل على الطرف المقابل أن يستثمر هذا التفاوت ليخرج بصورة من يمسك بالإيقاع.
ربما هذا ما حصل بالتحديد، وأكسب بري "انتصارًا"، أو بالحد الأدنى "نقطة سياسية" يسجّلها على المعارضة. ليس فقط لأنه "مرّر ما يريد"، ولكن لأنه تعامل مع الجلسة بوصفها تمرينًا على تثبيت قواعد عمل جديدة، أو على الأقل على إعادة التأكيد أن القواعد القديمة لا تزال صالحة حين يُحسن استخدامها. وهو يدرك، بحكم الخبرة، أن الصراع في البرلمان لا يُحسم بالشعارات، بل بتحويل التهديد إلى هامش مناورة، وتحويل الضغط إلى تفصيل قابل للاحتواء.
هنا، يبرز "تكتيك" إقفال محضر الجلسة قبل سقوط النصاب، الذي عُدّ رسالة سياسية مضاعفة وجّهها بري للخصوم والحلفاء على السواء. فالرسالة الكامنة خلفه كانت واضحة: الانسحاب بعد إنجاز البنود الأساسية لا يُسقط ما أُنجز؛ ومن يريد إسقاط التشريع عليه أن يمنع انعقاد الجلسة أصلًا، لا أن ينسحب في نهايتها. بهذه الطريقة، سحب بري من يد المعارضة القدرة على تحويل المقاطعة إلى "فيتو" فعلي، وتركها في خانة الاعتراض الرمزي. وفي الوقت نفسه، كرّس موقعه كضابط إيقاع للمجلس، قادرًا على إدارة الاشتباك من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
في الخلاصة، لا يمكن القول إن بري حقّق انتصارًا كاسحًا، كما يحلو لبعض مؤيديه القول، أو إنه حسم معركة النصاب إلى الأبد، ولا أن المعارضة "هُزمت" أو أنها فقدت نهائيًا قدرتها على التعطيل في محطات مقبلة. لكن ما جرى لا يمكن أيضًا التقليل من أثره. فقد أظهر أن سلاح المقاطعة، حين لا يقترن بتماسك عددي وخطة برلمانية متكاملة، يصبح سلاحًا قابلًا للاستنزاف، ويمنح الخصم فرصة تحويله من ورقة ضغط إلى دليل على محدودية القدرة.