
استمرّ 2025 بغزارة الأحداث التي كان سبقه إليها العامان 2023 و2024، رغم الأداء الإعلامي الذي حاول إظهار العكس، تماشياً مع العصر الجديد الذي دخله متماهياً مع السردية الأميركية-الصهيونية-السعودية.
إذا كان يمكن اختصار المشهد هذا العام، ستكون سمته التطبيع مع كيان الاحتلال وتجاهل معاناة ضحاياه والتظاهر بأنّ كلّ شيء على ما يرام والتحريض على حركات المقاومة، وصولاً إلى الترويج لوصفات خارجية تجعل المنطقة برمّتها وليس لبنان فقط تابعة أمنيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً وإعلاميّاً لخارج يبتزّها، واستضافة متّهمين بالتطبيع مع العدوّ كما فعلت mtv (الناشطة كيندا الخطيب) و«الجديد» (العميل محيي الدين حسنة) وحتّى السفير الإسرائيلي في واشنطن كما فعلت منصّة This Is Beirut. كما ظهر النائب مروان حمادة في مقابلة على قناة i24 الإسرائيلية، قبل أن يعود وينفي علمه بهويّة القناة.
تولّى بعض الصحف والصفحات الإلكترونية دوراً مثيراً للريبة مثل «نداء الوطن» و«النهار» وL’Orient Le Jour وBeirut Time وThis Is Beirut وغيرها. من جهته، واجه الإعلام الداعم للمقاومة معركة غير مسبوقة، تجلّت في تحدّي السردية القائمة، لكن ليس بالطريقة التقليدية، بل بالاتّجاه نحو شعارات الوحدة والتعايش والسيادة الحقيقية. لكنّ بعض المحطّات خلقت كوّة في جدار التشنّج، منها رحيل البابا فرنسيس ثمّ رحيل الظاهرة زياد الرحباني وزيارة البابا لاون الرابع عشر.
تشييع السيدين
برز تشييع السيّدَين الشهيدَين حسن نصرالله وهاشم صفيّ الدين في أواخر شباط (فبراير) الذي شكّل مادّة إعلامية عالمية وليست لبنانية فقط طوال أسبوع ونيّف، واستخدمها الإعلام الداعم للمقاومة والمعادي لها على حدّ سواء لتوجيه الرسائل. على الشاشات، أظهرت كلّ القنوات تعاطفها باستثناء mtv التي قرّرت استفزاز نصف الشعب اللبناني.
من جهة أخرى، حازت المجازر التي وقعت على الساحل السوري وفي السويداء ومناطق أخرى وحتّى الاعتداءات الصهيونية على الجنوب السوري، تغطيةً مُعتبرة من الإعلام اللبناني، إلى درجة تعدّت أولويّتها في النشرات على أخبار الإبادة في غزّة وسائر فلسطين في محطّات عدّة. وفي نيسان (أبريل)، توفي البابا فرنسيس، فحاز تغطية إعلامية واسعة، بالإضافة إلى أخبار انتخاب البابا الجديد.
كما برزت قضية إطلاق صواريخ فلسطينية من الجنوب اللبناني صوب الأراضي المحتلّة، فضخّم الإعلام المعادي للمقاومة منها. وفي تمّوز (يوليو)، أتت الحرب الإيرانية ــ الإسرائيلية، ففُتح البثّ المباشر المتواصل على مدى أيّام، وتصدّرت أخبار الحرب نشرات الأخبار اللبنانية، واستُضيف المحلّلون، كما استُغلّت الحرب للتحريض على تجدّد الحرب على لبنان.
انحناء للموفدين الأجانب
التصرّف الأكثر نفوراً لدى الإعلام اللبناني المهيمن هذا العام كان طريقة تعاطيه مع المسؤولين الغربيّين والخليجيّين ونقل إملاءات هؤلاء بشكل يومي كأنّها طلبات الشعب اللبناني من سلطته. لكنّ الأنكى كان استقتال الصحافيّين من أجل «سكوپ» من المبعوثين الأميركيّين، بدءاً من المبعوث السابق آموس هوكشتين مروراً بتوم برّاك ومورغان أورتاغوس وصولاً إلى السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى، بل كان هناك ترويج للرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصوير صلافته على أنّها شجاعة وتهوّره على أنّه مصلحة للبنان.
هكذا، حوّل الإعلام اللبناني أورتاغوس إلى «فاشنيستا»، ملاحقاً إيّاها كأنّها عارضة أزياء تنعم على لبنان بزياراتها ومصوّراً إيّاها على أنّها شخصية أنيقة، فيما حقيقتها بانت عند تسريب اقتراحها على كيان الاحتلال بقصف تشييع السيّدَين الشهيدَين.
أمّا برّاك الذي افتضح هو الآخر بارتباطاته مع المتحرّش بالأطفال السيّئ الذكر جيفري إبستين، فقد انكبّ بعض الإعلام اللبناني على تلميع صورته بعد «تربيحه جميلة» للّبنانيّين بزيارة بلدهم، قبل أن يصف تصرّفات الصحافيّين بـ«الحيوانية». مع ذلك، هرول بعضهم للدفاع عنه!
كما كانت هناك محاولات إسكات للصحافيّين الذين تجرّؤوا على مخالفة هذا التيّار، كما حصل مع المصوّرة كورتني بونّو التي أرادت سؤال برّاك عن الاعتداءات في الجنوب قبل أن يقرصها موظّف في السراي الحكومي ليمنعها! وكان ختامها «مسكاً» بوداع الإعلام اللبناني المتحدّث العسكري باسم الاحتلال أڤيخاي أدرعي بعد انتهاء مهماته والترويج لخليفته، واستضافة منصّة This Is Beirut السفير الإسرائيلي في واشنطن!
الجنوب خارج التغطية
رغم كلّ الضجيج والتهويل حول إملاءات الخارج، غاب الاهتمام بالمستوى ذاته عن الجنوب والبقاع اللذين كانا يتعرّضان للاعتداءات الصهيونية المستمرّة، ولم يحصلا عليها إلّا رفعاً للعتب، فيما حازت الاعتداءات على الضاحية تغطيةً أكبر، رغم إلقاء الإعلام المعادي للمقاومة مسؤوليّتها على المقاومة بسبب الامتناع عن تنفيذ الإملاءات، لا على العدوّ.
كما كانت هناك دعوة مستمرّة بالتمثّل بالاستسلام السوري، ولا سيّما من «الجديد» وmtv وLBCI. لكنّ الأخيرة كانت تعيد اللهجة الهجومية على النظام السوري الجديد حالما تقع مجازر كما في الساحل والسويداء، أو مناوشات على الحدود اللبنانية-السورية.
ولم يمرّ يوم واحد طوال 2025 لم تُذكر فيه مسألة سلاح المقاومة على الإعلام الذي استغلّ المناسبات كلها في هذا الهدف، كما خلال تشييع السيّدَين الشهيدَين وقرارات الحكومة اللبنانية حول نزع سلاح المقاومة، واستشهاد جنود للجيش في انفجار مستودع للذخيرة في صور، والأزمة المفتعلة حول إضاءة صخرة الروشة في ذكرى استشهاد السيّد نصرالله الأولى (غطّت أيضاً على إطلاق سراح الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة بكفالة)، وصولاً إلى نقل تهديدات العدوّ المتواصلة. كما استُغلّ قانون الانتخاب والمطالبة بتعديله كي يصوّت المغتربون لجميع النوّاب الـ128، من أجل التصويب على المقاومة وسلاحها.
تكحيل الأزمات
وتماماً مثل أداء السلطة الذي تصرّف كأنّ كلّ شيء على ما يرام، تصرّف الإعلام المهيمن على أنّ «لبنان رجع»، محاولاً تكحيل عجز السلطة بالمهرجانات والاحتفالات الفارغة، والهروب إلى الأمام عبر تجاهل الأزمات المستفحلة والادّعاء بأنّ لبنان تعافى بمجرّد «هزيمة «حزب الله» وسقوط النظام في سوريا».
لكنّ الأزمات المعيشية ازدادت سوءاً، ولم تُحلّ أزمة الكهرباء ولم يعد إعمار ما تدمّر بعد الحرب، ولا حُلّت أزمة المياه ولا أعيدت أموال المودعين ولا أوقِفَ التضخّم ولا أُصلحت الرواتب ولا عادت مؤسّسات الدولة إلى عجلتها الصحيحة... اللهم باستثناء بعض التغييرات التي لا تعدو كونها «روتوش» جرت العادة على إجرائها في بداية كلّ عهد رئاسي، بالإضافة إلى بعض الترقيع قبيل زيارة البابا. من ضمن تلك التغييرات قرار لوزارة الإعلام حذّر من التواصل مع جهات متعلّقة بكيان العدوّ، لكنّ هذا القرار أتى أشبه بحبر على ورق!
زمن زياد وجورج عبدالله
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أنّ بعض الاحتفالات حمل رونقاً خاصّاً واستحقّ تغطيته إعلاميّاً، ولا سيّما بعض المشاريع السياحية والثقافية التي كانت غائبة لمدّة رغم أهميّتها. وبرزت عودة فنّانين لبنانيّين وعرب وأجانب فنالوا تغطية إعلامية لا بأس بها. وفي 25 تمّوز (يوليو)، عاد المناضل جورج عبدالله من سجون الظلم الفرنسية، فاستحقّ تغطية إعلامية أتت من الإعلام الداعم للمقاومة، فيما تعاطى باقي الإعلام مع الموضوع بشكل لا يرتقي إلى مستوى الحدث، وتجاهلته mtv بشكل كلّي.
فرحة تحرير عبدالله لم تدم إلّا ساعات. في صباح اليوم الثاني، دوّى الخبر الفاجعة في آذان اللبنانيّين. كان رحيل النابغة زياد الرحباني، فبُثّت على كلّ الوسائل الإعلامية تقريباً مسرحيّاته ومقابلات معه وفعاليّات أقيمت من أجله وتحيّات له من شخصيّات مختلفة، إضافةً إلى استعادة محطّاته وتاريخه وموسيقاه ومواقفه ويوميّاته. وشكّل يوم تشييعه نهار تضامن وطنياً، رغم عدم إعلان السلطة اليوم فرصةً رسمية، واستغلالها رحيله في بعض الحالات كتغيير اسم «جادّة حافظ الأسد» إلى «جادّة زياد الرحباني»، ما خلق بلبلة بسبب عدم ارتباط زياد بالمنطقة كارتباطه بالحمرا التي عاش فيها معظم حياته، بالإضافة إلى استخدام اسمه لتوجيه رسائل سياسية بعد رحيله.
«عملوا من الحبّة قبّة»
في أيلول (سبتمبر)، برز الاعتداء الصهيوني على قطر، فتصدّر عناوين نشرات الأخبار، رغم أنّ بعض الإعلام اللبناني تخبّط في تعاطيه مع الموضوع بدايةً، وأتى لاحقاً نقل مجريات القمّة العربية الطارئة على إثره.
زيارة البابا
في آخر تشرين الثاني (نوفمبر) وبداية كانون الأوّل (ديسمبر)، زار البابا لاون الرابع عشر لبنان، فحاز تغطيةً مباشرة طوال أيّام زيارته الثلاثة، وتحوّل الإعلام برمّته لمواكبة الحدث. في السياق، برزت LBCI كأكثر وسيلة متحضّرة للزيارة، فرافقته في زيارته إلى تركيا وعادت معه إلى لبنان على الطائرة نفسها، فحازت مشاهد حصرية.
من جهته، كان إعلام المقاومة يولي اهتماماً لافتاً للحدث، ولا سيّما «المنار»، خصوصاً أنّ «كشّافة المهدي» استقبلت البابا بالآلاف بمحاذاة طريق المطار. لم تلبث أن تلاشت هذه الصورة التوحيدية إعلاميّاً، فما إن رحل الزائر الكبير حتّى عاد الإعلام المهيمن إلى لغة التهويل بالحرب ومتابعة الموفدين الأجانب. وبرزت جولات قام بها الجيش اللبناني للإعلام والمسؤولين الأجانب لإبراز ما أنجزه في الجنوب، فيما كان رئيس الجمهورية عُرضة لحملة إعلامية ضدّه مدفوعة بإرادة سياسيّين كانوا حتّى الأمس القريب من «حلفائه»، ونافذين في الإدارة الأميركية.
«شي فاشل»
لم يخل 2025 من المشكلات بين أهل الإعلام، لكن أكبر ما ظهر إلى العلن كان الخلاف بين mtv و«كلّنا إرادة»، كما تجدّد الخلاف بين mtv و«الجديد» على خلفية ملكية آل الخيّاط لشركة MEP المزوّدة للفيول المشغّل لمعامل الكهرباء. من جهة أخرى، ظهر بعض القنوات بحلّة جديدة تجلّت في نشرات الأخبار مثل OTV و«الجديد»، فيما تولّت أخرى تعديلات طفيفة مثل LBCI و«تلفزيون لبنان» و«المنار». حتّى بعض الصحف والمواقع ظهر بتغييرات جديدة في الشكل.
في المحصّلة، يمكن القول إنّ الشكل تغيّر فيما المضمون بقي على حاله. هكذا، استحال «التكحيل» الذي وضعته القنوات على نفسها تماماً كذاك الذي مارسته طوال العام تماشياً مع نزعة الإنكار التي تعتمدها السلطات الرسمية. ببساطة، كانت «شي فاشل».