إنعام خروبي
الأحد 5 تشرين اول 2025
في يومها الخامس، يبدو أنّ مشكلة الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة لا تنحصر في كونها أزمة تمويل فقط، بل إنّ ملامح اختبار دستوري جديد تلوح في الأفق، في غياب أيّ مؤشرات إلى حلّ قريب، ما يكشف أنّ السبب الحقيقي وراء الإغلاقات الحالية هو الكيديات السياسية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وبالرغم من أنّ الحزب الجمهوري يمتلك الغالبية في مجلسي النواب والشيوخ، إلا أنه لم يتمكّن من تحقيق النصاب القانوني الذي يمكّنه من إقرار تمديد جزئي للميزانية، قبل 30 أيلول نهاية السنة المالية الأميركية، كما كان يريد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مع الإشارة إلى أنّ مجلس النواب كان قد صادق، في وقت سابق، على النص ذاته، لذلك كان الجمهوريون يأملون أن يحظى مشروع التمديد أيضاً بموافقة مجلس الشيوخ ليصبح قانوناً قبل بدء السنة المالية الجديدة.
لم تُفضِ جهود الجمهوريين إلى النهاية المأمولة، إذ لم يؤيد سوى ثلاثة أعضاء ديمقراطيين نصاً اقترحه الجمهوريون لتمديد تمويل الدولة الفدرالية، حتى نهاية تشرين الثاني، علماً بأنه يحتاج إلى ثمانية أصوات لبلوغ سقف الأصوات الستين التي تتيح إقراره، ما أدخل البلاد في حالة من الشلل المالي.
وفي خضمّ ذلك، حذر المستشارون الاقتصاديون، أمس، في مذكرة حكومية إلى البيت الأبيض من أنّ الإغلاق الحكومي المطوّل قد يسبّب أضراراً اقتصادية جسيمة أبرزها خسارة 15 مليار دولار أسبوعياً من الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع عدد العاطلين عن العمل بنحو 43 ألف شخص شهرياً.
ما هو الإغلاق الحكومي؟
في رسالة صادرة عن مدير مكتب الموازنة في الكونغرس قبل الإغلاق الحكومي، الذي بدأ فعلياً فجر الأول من تشرين الأول الحالي، قدّر المكتب أنّ نحو 750 ألف موظف فيدرالي قد يتمّ إيقافهم يومياً عن العمل مؤقتاً، بتكلفة يومية إجمالية تقارب 400 مليون دولار.
ورغم أنه سيُطلب من الجيش الاستمرار في العمل خلال فترة الإغلاق، لكن أفراده لن يتقاضوا رواتبهم إلا بعد انتهاء الإغلاق.
وكان البيت الأبيض أعلن، في وقت سابق، أنه سيسرّح الآلاف من الموظفين الفدراليين.
ولا تنطبق حالة واحدة على كلّ الوزارات والهيئات الحكومية. وتعدّ كلّ جهة خطط طوارئ خاصة بها توضح، بالتفصيل، نشاطها الذي سيستمرّ، وأنشطتها التي ستتوقف، وذلك بناء على حالة كلّ ميزانية داخلية كل قسم أو إدارة.
وتشمل القطاعات المتأثرة بالإغلاق وزارات التعليم والداخلية والتجارة، ووكالات مثل «ناسا» ووكالة حماية البيئة، وخدمة المتنزهات الوطنية، وعمليات المراقبة في هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC)، وخدمات استخراج جوازات السفر والتأشيرات، بالإضافة إلى برامج بحثية صحية كبرى.
أما القطاعات المستثناة فتشمل الأنشطة العسكرية والأمنية وحماية الحدود، وعمليات التفتيش الغذائي، وخدمات البريد وعمليات الاقتراض الحكومي، ومؤسسات مثل الاحتياطي الفيدرالي ومكتب حماية المستهلك المالي، نظراً لاعتمادها على مصادر تمويل مستقلة.
أمر شائع عبر العهود
ورغم أنّ المواجهات بشأن الميزانية شائعة في السياسة الأميركية، إلا أنها تتسم، هذه المرة، بطابع خاص مرتبط بنهج الرئيس الأميركي الذي دأب، خلال الأشهر التسعة الماضية، على تقليص حجم الحكومة الوطنية بشكل كبير.
في مراجعة لتاريخ الإغلاقات الحكومية في الولايات المتحدة، نجد أنّ هذا الأمر أصبح أمراً شائعاً في العقود الأخيرة لدرجة أنّ كلّ وكالة فيدرالية لديها خطة عمل خاصة بها لكيفية التعامل معه.
وتعود أولى الإغلاقات الحكومية إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث كانت الخلافات حول الميزانية تتكرّر بين الرؤساء الأميركيين والكونغرس، ويعتبر الإغلاق الحكومي عامي 1995 و1996 أيام الرئيس، بيل كلينتون، من أشهر الإغلاقات في تاريخ الولايات المتحدة، حيث استمرّ 21 يوماً.
عام 2013 شهدت الولايات المتحدة إغلاقاً حكومياً، استمرّ 16 يوماً. كان ذلك خلال رئاسة، باراك أوباما، بسبب خلافات حول سياسية حول قانون «أوباما كير» للإصلاح الصحي.
أما الإغلاق الحكومي الأميركي الأطول، فوقع بين كانون الأول 2018 وكانون الثاني 2019 في الولاية الأولى للرئيس، دونالد ترامب، وقد استمرّ 35 يوماً، وكان الخلاف حول تمويل «جدار الحدود» مع المكسيك.
أما الرئيس الجمهوري، رونالد ريغان، فقد شهد ثمانية إغلاقات فى الثمانينيات، لكنها كانت قصيرة نسبياً.
الآثار الاقتصادية
تختلف الآثار الاقتصادية للإغلاقات الحكومية، بحسب مدّتها وشموليتها، وأبرز هذه الآثار تأخر نشر البيانات الاقتصادية الحيوية مثل مؤشرات التوظيف ونمو الناتج المحلي ومبيعات التجزئة، وهذا بسبب توقف عمل الوكالات الفيدرالية، ما يزيد حالة عدم اليقين ويؤثر سلباً على استقرار الأسواق المالية. وخلال الإغلاقات يُجبَر موظفو الحكومة على الإجازة أو العمل دون أجر، ما يقلل إنفاقهم ويضرّ الاقتصاد المحلي.
نتيجة لذلك، فإنّ الحكومة لا تستطيع الإنفاق لا على الرواتب ولا على العمليات، والأهمّ من ذلك الخدمات التي تقدّمها الحكومة الأميركية لمتدنّي الدخل مثل خدمات الطعام والإعانة والمواصلات والتأمين الطبي المدعوم أو ما يُعرف بـ«أوباما كير» وكثير من الأمور، لذلك يعيش الأميركيون حالة قلق كبير بشأن هذه الأموال التي يحصلون عليها من الحكومة، بالرغم من أنّ الحكومة لديها ميزانيات.
مجلس الشيوخ يحاول التوصل إلى حلّ مع الديمقراطيين لـ"إقرار جزئي" لميزانية لتسعة أسابيع أيّ حتى ما بعد منتصف تشرين الثاني المقبل، لكن الديمقراطيين يعارضون ذلك.
تأثير محدود على الأسواق
عموماً، لم تتأثر الأسواق العالمية بشكل كبير من الإغلاق الحكومي، ولكن المحللين يرون أنّ الإغلاق سيكون له تأثير قوي في حال زيادة الضغط على الدولار، أو التأثير على قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن سعر الفائدة.
وفي رأي المحللين، لكي يكون هناك تأثير كبير على الأسواق العالمية، يجب أن يستمرّ إغلاق الحكومة الأميركية إلى شهر، ففي هذه الحالة من المحتمل على نطاق واسع أن يؤثر على قرار الفيدرالي في نهاية الشهر، والذي سيؤثر بدوره على التدفقات العالمية وأسعار الفائدة وأسعار صرف العملات الأجنبية.
في الغالب، تؤثر الإغلاقات الحكومية في الولايات المتحدة بصورة ضعيفة على السوق العالمي، وتؤدي إلى تقلبات بسيطة وقصيرة الأمد في أسواق الأسهم والسندات، كما أنّ التأثير الاقتصادي لها يكون متواضعاً وقصير الأمد.
الاستغلال السياسي سيد الموقف
بطبيعة الحال، فإنّ ما يؤكد أنّ أزمة الإغلاق الحكومي هي أبعد ما تكون أزمة تمويل، هو أنّ ترامب عمد منذ اللحظة الأولى، إلى اتخاذ الإغلاق مطية لمعاقبة الديمقراطيين وناخبيهم عبر استهداف «أولوياتهم التقدمية» والدفع باتّجاه خفض كبير في عدد الوظائف في القطاع العام في أول إغلاق منذ الشلل الحكومي في ولايته السابقة.
ويضاف تهديد ترامب بخفض مزيد من الوظائف إلى المخاوف، المنتشرة في الأساس، بين موظفي الإدارات الفيدرالية والتي أثارتها عمليات تسريح واسعة النطاق أقرّتها «هيئة الكفاءة الحكومية»، التي كان يرأسها الملياردير إيلون ماسك، في وقت سابق من هذا العام.