الاخبار: زينب الموسوي
كثيراً ما اتُّهمت إيران بمعاداتها للسامية، وهي التهمة الجاهزة التي يُقذف بها أي معادٍ للكيان الصهيوني الإحلالي، الذي بنى أوصاله على جماجم شعب بأكمله. ولكن، كان لصور انتشرت في الإعلام تُظهر يهوداً إيرانيين يرتدون القلنسوات على رؤوسهم، في إشارة إلى هويتهم الدينية وتمسكهم بها في جمهورية إسلامية، وزي الجيش الإيراني الذي يرمز إلى تمسكهم بهويتهم القومية والدفاع عنها، وقع الصاعقة على الحلفاء والأعداء، على حد سواء، ما أعاد فتح تاريخ اليهود في إيران على مصراعيه.
كانت الصور قد التُقطت في تجمع الجالية اليهودية في إيران، دعماً للقائد الأعلى، السيد علي خامنئي، والقوات المسلحة، الذي انعقد، مساء الخميس الماضي، في «كنيس الحرير»، للرد بقوة وحزم على الكيان الصهيوني بعد شنه حرباً على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
قد يبدو هذا المشهد مستغرباً بالنسبة إلى من يرى فيه وجهه الديني، ولكن في تتبّع لحركة يهود إيران ومواقفهم السياسية والنضالية من جهة، وبين نظرة الجمهورية الإسلامية إلى الديانات السماوية، ومن بينها الديانة اليهودية، وقدرتها على الفصل بين الدين وحرية اعتناقه وبين من يتلطّون خلف دياناتهم لتحقيق مآربهم الاستعمارية من جهة أخرى، يتّضح المشهد أكثر.
أقدم الجاليات
في نظرة تاريخية، تُعدّ الجالية اليهودية في إيران إحدى أقدم الجاليات المستمرة في مكان واحد على وجه الأرض، فهي تُقيم على الهضبة الإيرانية منذ عصر كورش الكبير (538 ق.م) الذي حرر الأسرى اليهود وسمح لهم بالاستقرار والتجارة، فانتشرت تجمعاتهم في همدان، يزد، أصفهان، شيراز وطهران لاحقاً.
وفي عصر الدولة البهلوية، أطلق رضا شاه (1925 – 1941) سياسة علمنة قسريّة فتحت أبواب التعليم الحديث والتجارة أمام الأقليّات. تَبِعه محمد رضا شاه، فعزّز - بدافع التقرب من الولايات المتحدة وإسرائيل - استثمارات اليهود في الصناعة، وزاد عددُهم إلى نحو 100 ألف عشية الثورة. في هذه المرحلة نَشطَت خلايا «هحالوتس» الصهيونية الثقافية، ولكنّ المزاج العام بقي ميّالاً إلى إيرانيته.
«اليهود والمسلمون إخوة»
عشية الثورة الإسلامية، شارك آلاف اليهود في المسيرة المليونيّة بطهران، رافعين لافتة «اليهود والمسلمون إخوةٌ في الثورة»، كما قدّم أحد مستشفيات اليهود في إيران خدمات طبيّة لجرحى «الجمعة السوداء»، ونال رسالة شكر من الإمام الخميني.
بعد انتصار الثورة، خشيت الطائفة من خلطٍ بين اليهودية والصهيونية، ولا سيما بعد إعدام رجل الأعمال، حبيب القانيان، بتهمة «التجسّس لإسرائيل» (9 أيّار 1979)، فزار وفدٌ من الحاخامات الإمام الخميني في قم، بعد يوم واحد، مطالباً بضمانات. عندها، استوعبت القيادة الثورية مخاوف الأقلية وميّزت بين الدين والمشروع الصهيوني. فأصدر الإمام فوراً فتواه الشهيرة: «اليهودُ شعبٌ منعزلٌ عن الصهاينة، وسيُعاملون كسائر الشعوب، ولا يحقّ لأحد التعرّضَ لهم».
تمثيل سياسي وحضور اجتماعي
على ضوء ذلك، استقرّ، في إيران إلى اليوم، ما بين 8000 و10000 يهودي، وتشكل هذه الجالية اليوم أطول خيطٍ من الحضور اليهودي خارج فلسطين، وتتمتع بكامل حقوقها السياسية والمدنية، وبحرية ممارسة شعائرها الدينية. وتتفاعل هذه الطائفة داخل المجتمع الإيراني، فقد أبقى دستور 1979 على مقعد برلماني لها، وسمحَ بإدارة ذاتية لمدارس وكُنس (نحو 76 كنيساً، منها 31 في طهران). كما شغلوا خارج القاعة البرلمانيّة مناصب بلديّة وطبيّة وتعليميّة. وقد خُصصت مبالغ مالية لمشافٍ يهودية في طهران، كما شيدت بلدية طهران عام 2015 نصباً تذكارياً تكريماً للجنود اليهود الذين قُتلوا في الحرب الإيرانية - العراقية دفاعاً عن وطنهم.
لكنّ أهميّة هذه الطائفة لا تنبع من عمق التاريخ وحده، بل من قدرتها الفائقة على صياغة هوية مركّبة تأرجحت بين ولاء قومي واضح للوطن الإيراني واندماج فيه عكسهما خطابُ قادة الطائفة بأنهم «جزءٌ أصيلٌ من الشعب الإيراني منذ 30 قرناً»، وبين احتفاظٍ بالدين واللغة (الـ«جُوديكو-فارسية»)، مع موقف سياسيّ مُعلَن يرفض الصهيونية باعتبارها مشروعاً استعمارياً لا علاقة له باليهودية كعقيدة. إذ ترى القيادةُ الدينيّة والسياسيّة في طهران أنّ الصهيونيّة «مشروعُ فصلٍ وتفريق»، لذلك يصف الحاخام الأكبر، لاله زار، عمليات إسرائيل العسكرية بأنّها «جرائم إبادة لا تمُتّ إلى دين موسى بصلة».
«الكيان الصهيوني لا يمثّل اليهود»
يتجنّد شباب يهود في لجان إغاثةٍ إيرانيّة لغزّة. وشارك ممثلو اليهود في مسيرات «يوم القدس» السنويّة، وندّدوا بالحرب على لبنان (2006) وحرب غزة (2023)، كما شاركوا في تشييع الشهيد قاسم سليماني. وشهدت إيران، بعد «طوفان الأقصى»، مسيرات تندد بالمجازر الإسرائيلية في قطاع غزة، ترأّسها زعيم الطائفة اليهودية في إيران، الحاخام يونس حمامي لاله زار، وممثل اليهود في إيران عضو البرلمان، همايون سامياح نجف آبادي، ورئيس مجلس شورى اليهود الإيرانيين، هاراف يهودا غيرامي، مؤكّدين أنّ «الكيان الصهيوني لا يمثّل اليهود».
يشكّل هذا المشهد حجر أساس في فهم مشاركة اليهود في الدفاع عن وطنهم إيران ضد الاعتداءات الخارجية، ومن ضمنها الاعتداءات الصهيونية، كما يفنّد الدعاية عن «مذابحَ ضدّ النصارى واليهود والمجوس» أو «رمي اليهود في البحر» التي دائماً ما اتُّهمت فيها إيران، والتي رفضها دوماً السيدان الخميني والخامنئي، على حد سواء.
كما تكشف التجربة الإيرانية أنّ التعددية الدينية والخصوصية الثقافية لا تتناقضان بالضرورة مع هوية وطنية جامعة. فاليهودُ في إيران وقفوا في صفوف الثورة الإسلامية، واستمروا شركاءَ في بناء المشهد الاجتماعي الحديث. والأهم أنهم طوّروا خطاباً يُفرّق بين العدالة للقضيّة الفلسطينية وبين العدائية لليهود، واضعين جهدهم الثقافيّ والخيريّ في خدمة «الوطن الأم» من جهة، ومنخرطين في نقد المشروع الصهيوني، من جهة أخرى.