أشهرٌ مرت على انتزاع السلطة القائمة ورحيل الرئيس السابق بشار الأسد، تاركاً زمام الحكم والسلطة وتاركاً الدولة السورية بكلها وكلكلها تحت رحمة اليوم التالي وما ستؤول إليه الأمور .
استبشر كثير من السوريين خيراً نتيجة ما حدث ووجدوا خلاصهم في الحكم القادم، خاصة بعدما خلع أبو محمد الجولاني لباس الحرب، وبدأ بإقتناء البدلات التي تنوعت صناعتها من كثير ماركات عالمية، وخلع معها أيضاً تسمية الجولاني، متحولاً الى أحمد الشرع الذي راهن عليه الكثيرون بأنه وجه سوريا الجديد الذي سيحولها نحو الخلاص ويعبر بها بر الأمان ويعيد سوريا الى زمنٍ كانت فيه الدولة الوحيدة التي لم تستدن سابقاً ويعيد الرخاء، يصحبه الأمان لكل سوريا من أقصاها الى أقصاها لتعود سوريا قلب العروبة النابض ولاعباً أساسياً في الإقليم، بل العالم كله، ولكن تسير الأمور ترافقها الأحداث بعكس ما تمناه كل سوري شريف سار في ثورة أمل منها تحقيق الخلاص وإعادة الدور الطبيعي لسوريا .
مع بداية التغيير الذي حصل في بلاد الشام واستلام زمام الحكم ومقاليد السلطة من السيد الشرع، لم تكن إسرائيل بعيدة عما يجري، فكانت تضرب حيناً بل أحياناً في جغرافيا متنقلة في سوريا حتى أفقدت الجيش السوري المنوي إقامته لاحقاً من أي فرصة مقاومة أو دفاع لاحق عن أي تهديد محتمل وبات الوجود الفعلي هو لقوات أمن تسعى الحفاظ على النظام حال الإخلال به، وكانت حجة النظام الجديد بأن الإستهداف هو بالمباشر لباقي أذيال إيرانية متواجدة في سوريا، علماً أن النفوذ الإيراني السابق يقتصر على بعض المستشارين في عدة أمكنة، ثم ومن بعد الإعلان الصريح من الجمهورية الإيرانية وتأكيدها على أنه لم يعد هناك أي نشاط إيراني داخل سوريا لم تتوقف الضربات الإسرائيلية التي تنوعت بين الصراحة والتلميح الإسرائيلي بأن هدفها، منع إحياء أي نشاط عسكري سوري لاحق وبالتالي هدفها سوريا وليست إيران، في ظل صمت شبه كامل لأسياد سوريا الجدد عن كل ما يجري وتجاهلهم للعربدة الإسرائيلية المتلاحقة .
لن أدخل في كيفية إستلام الحكم في سوريا ومن باع ومن اشترى، فهو كلام مر عليه الزمن وصار خلفنا، بل يجدي الحديث عما يحدث اليوم، وما هو القادم، أقلها ما المتوقع من القادم ؟!
الثابت الوحيد أن سوريا تعاني اليوم من إقتتال في غير جبهة، شرقية كانت وشمالية ومحاولة هيمنة تركية، أو جنوبية، وما تسعى إليه إسرائيل، وحروب أحياناً مع الأقليات خاصة العلوية منها وفي المناطق الساحلية على وجه التحديد، في ظل تراخٍ حكومي، تُطرح معه الكثير من علامات الإستفهام والتساؤل .
حقيقة ما حل بعد رحيل الأسد، أن معظم من ظلوا في سوريا، وجدوا أبواب الخلاص وبدايات الحلول، حتى الأقليات التي استمرت هناك، تحول قلقها، شيئاً فشيئاً نحو الأمل الواعد بخير سيأتي ويعم على الجميع، مع اختلاف تعددهم الطائفي والمناطقي، إلى أن بدأت خيوط الحقيقة تتجلى أمام الجميع، منذرة بخطر يحوم ربما يلحق بسوريا في أية لحظة، حينما بدأ الإقتصاص الطائفي طائفي حيناً ومناطقي أحياناً ومعه تزيد خطورة النار الكبرى التي تحصل وتشعل الجميع ربما في لحظة تكون مفاجئة لهم، فقد بات الإقتصاص في بعض المناطق يعود لخلفيات طائفية دون الغوص في حقيقة أن المعتدى عليهم لهم ذنب أو ذنبهم أنهم ينتمون لهذه الطائفة دون سواها والحديث بطول في أحداث جرت وجرائم نُفذت بحق من ليس لهم ذنب بكل ما حصل، ولم تكن جريمتهم سوى الإنتماء لتلك الطائفة، وهي أحداث جرت وتجري تكلم الإعلام عن بعضها وبقيت كثير منها طي الكتمان .
الجديد في تلك الأحداث، ما جرى ويجري في منطقة جرمانا التي تقع في ريف دمشق وفي مكان لا يبعد سوى بعض الوقت عن العاصمة بما تعنيه وما تحويه، ليترافق ذلك وتصاحب تلك الأحداث فزعة أهل الجنوب السوري، الدروز، لأهلهم في جرمانا، الدروز أيضاً، وما يمكن أن تفعله هذه التطورات، مع ترقب وحذر إسرائيلي وتصريحات تساهم في زيادة الشرخ بأن إسرائيل لن تترك جرمانا، الدرزية، وحدها .
التصريحات الإسرائيلية، يرافقها استحباب من بعض دروز سوريا، ورفض واستنكار من دروز آخرين، رفضوا ويرفضون أي تدخل إسرائيلي في أحداث الداخل السوري .
خلاصة الكلام، أن سوريا تعيش اليوم، كما تعيش المنطقة بشكل عام لحظات حرجة مخيفة، قد تترك نتائجها التي ربما احتاجت لعقود وقرون حتى تزيل رواسبها .
الثابت الوحيد والواضح، أن سوريا كانت وما زالت وستبقى قلب العروبة النابض، وأن سحابة الصيف التي تعيشها اليوم، ربما لن تطول، لتعيد خلط أوراق المنطقة وإعادة تركيبها وفق موازين التأصل الموجودة في المنطقة، لا وفق قوة عسكرية وُجدت كيلا تدوم، وزُرعت شوكة لن يطولَ بقاؤها .
حمى الله سوريا الجميلة، وحمى شعبها المضحي، الذي لطالما قاوم ويقاوم، وربما قريباً سيعيد صياغة جفرافيا المنطقة وقوتها من جديد .
حمزة العطار